موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦١ - ج) تلقّي الركبان
الطلب على البضاعة أكثر بكثير من واقع الحال، وهذا بدوره يعتبر عاملًا لإيجاد السوق السواء وهو المتداول في عالمنا الحالي وخاصّة في البلدان الصناعيّة، وهذا العمل ممنوع أيضاً في الا سلام.
وقد ورد في رواية عن أبي جعفر القراري قال:
دعا أبوعبداللَّه (الإمام الصادق عليه السلام) مولى له يقال له:
«مصادف»، قأعطاه ألف دينار وقال له: تجهّز حتى تخرج إلى مصر فإنّ عيالي قد كثروا، فتجهّز بمتاع وخرج مع التجّار إلى مصر؛ فلمّا دنوا من مصر استقبلهم قافلة خارجة من مصر؛ فسألوا عن المتاع الذي معهم ما حاله في المدينة (يعني مصر) وكان متاع العامّة فأخبروهم أنّه ليس بمصر منه شيء فتحالفوا وتعاقدوا على أن لا ينقصوا متاعهم من ربح الدينار ديناراً، فلمّا قبضوا أموالهم وانصرفوا إلى المدينة فدخل مصادف على أبي عبداللَّه (الإمام الصادق عليه السلام) ومعه كيسان في كلّ واحد ألف دينار فقال: جعلت فداك هذا رأس المال وهذا الآخر ربح، فقال عليه السلام: إنّ هذا الربح كثير ولكن ما صنعته في المتاع؟ فحدّثه كيف صنعوا وكيف تحالفوا: فقال عليه السلام:
«سبحان اللَّه تحلفون على قوم مسلمين أن لا تبيعوهم إلّاربح الدينار ديناراً».
ثمّ أخذ أحد الكيسين فقال عليه السلام:
«هذا رأس مالي ولا حاجة لنا في هذا الربح»
ثمّ قال عليه السلام:
«يا مصادف مجادلة السّيوف أهون من طلب الحلال» [١].
وهذا الدستور الأخلاقي يبيّن بجلاء اختلاف النظام الإسلامي عن النظم الاقتصاديّة في عالمنا المعاصر التي تبيع أحياناً البضاعة ليست بضعفي رأس المال بل بإيجاد السوق السوداء تبيعها بعدّة أضعاف.
وقد ورد في التعاليم الإسلاميّة عقوبات خاصّة للمحتكرين، يقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام في عهده لمالك الأشتر:
«فمن قارف حُكْرَة بعد نهيك إيّاه فنكِّل به، وعاقبه في غير إسراف» [٢].
وبعض العقوبات المترتبة على الإحتكار تفريغ مخازن المحتكر وعرض البضاعة المخزونة إلى السوق، يقول الإمام علي عليه السلام مخاطباً لأحد عمّاله فيما يتصل بالمحتكر:
«... ثمّ عاقبه بإظهار ما احْتكر» [٣].
وجاء في رواية أخرى عن أميرالمؤمنين علي عليه السلام أنّ النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله:
«إنّ رسول اللَّه مرّ بالمحتكرين، فأمر بحُكرتهم أن تخرج إلى بطون الأسواق وحيث تنظر الأبصار إليها» [٤].
أمّا ما هي الموارد التي يشملها حكم الإحتكار وما هي شروطه وقيوده وحدوده وما هي الأقسام التي تتعلق بها حرمة الإحتكار وكيفية معاملة المحتكرين، وبشكل عام ما هي أحكام الإحتكار؟ فقد وردت كلّها في الكتب الفقهيّة لفقهاء مدرسة أهل البيت عليهم السلام وفقهاء أهل السنّة بالتفصيل [٥].
ج) تلقّي الركبان
المراد من «تلقّي الركبان» هو أنّ تذهب جماعة من النفعيين الذين يعلمون بقيمة البضائع في مدينة معينة خارج هذه المدينة لاستقبال القوافل التجاريّة وشراء الأجناس التي يحملونها بقيمة زهيدة ثمّ يجعلون بيعها حصراً بهم ويبيعونها بأسعار عاليّة في المدينة [٦].
وهذا العمل يورث الضرر من جهة لأصحاب البضاعة لأنّهم غير مطلعين على قيمة البضاعة في تلك المدينة، ولذلك ورد في الروايات أنّ لهم خيار فسخ المعاملة بشروط معينة [٧]، ومن جهة أخرى أنّ هذا العمل يتسبب في حصر بيع البضاعة في دائرة مغلقة وإيجاد سوق سوداء للمستهلكين [٨]، ولذلك ورد في الروايات النهي عن هذا العمل رغم أنّ الفقهاء مختلفون بالنسبة لحرمة أو كراهة هذا العمل [٩]، ولكن لا شك في أنّ هذا العمل غير محبذ:
١. يروي أبوهريرة عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّ قال:
«لا تلقّوا الرّكبان» [١٠].
٢. وكذلك ورد عنه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«لا يبيع بعضكم على بيع بعض ولا تلقوا السّلع حتى يهبط بها إلى
[١]. الكافي، ج ٥، ص ١٦١، ح ١.
[٢]. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
[٣]. مستدرك الوسائل، ج ١٣، ص ٢٧٧، ح ١.
[٤]. وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٣١٧، ح ١.
[٥]. انظر: جواهر الكلام، ج ٢٢، ص ٤٧٠ فصاعداً؛ المجموع النووي، ج ١٣، ص ٤٤.
[٦]. انظر: المكاسب للشيخ الأنصاري، ج ٤، ص ٣٤٩؛ مغني المحتاج، ج ٢، ص ٣٦؛ فتح العزيز الرافعي، ج ٨، ص ٢١٨.
[٧]. انظر: مستدرك الوسائل، ج ١٣، ص ٢٨١، ح ٣؛ مسند أحمد، ج ٢، ص ٢٨٤.
[٨]. ورد في رواية الإشارة إلى هذا الأمر انظر: مستدرك الوسائل، ج ١٣، ص ٢٨١، ح ٢.
[٩]. انظر: بداية المجتهد، ج ٢، ص ١٣٣؛ المغني لابن قدامة، ج ٤، ص ٢٨١؛ المجموع للنووي، ج ١٣، ص ٢٣؛ جواهرالكلام، ج ٢٢، ص ٤٦١؛ مكاسب الشيخ الأنصاري، ج ٤، ص ٣٤٩.
[١٠]. صحيح البخاري، ج ٣، ص ٢٧.