موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٣ - البحث الثالث المباني النظريّة في تدخل الحكومة
وكأنّ الاقتصاد في هذه الدولة ينظر برؤية تركيبة إلى الجوانب الإيجابيّة في كلا النظامين الاشتراكيّة والرأسماليّة، ومن هذه الجهة فإنّ كلا من السوق والدولة يساهمان ويتعاونان في مجال حلّ المشكلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة في البلد [١].
ولكن في مقابل هذه النظريّة الاقتصاديّة لا نجد مقترحات حول ضبط العمليات الربويّة وإيجاد الرغبة الكاذبة والموهومة لدى المستهلكين، الإحتكار، اختصاص الإنتاج بيد فئة معينة، الاستهلاك المفرط و ... الخ، ومن هذه الجهة وبالرغم من أنّ غالبية البلدان في العالم تتخذ هذا المنهج المختلط في اقتصادها ومع ذلك تئنّ تحت وطأة الأزمات والمشكلات الكثيرة، بل حالياً نشهد حالات تسوناميّة كبيرة تهدد أركان هذا النوع من الاقتصاد.
٤. الحكومة الدينيّة الإسلاميّة
إنّ الحكومة بالمعنى العام للكلمة [٢] في النظام الديني لا يمكن تفكيكها عن الرؤية الكونيّة في نظر الإسلام، لأنّ الحكومة الدينيّة مضافاً إلى الاهتمام بالمسائل الدينيّة، فإنّها تهتم كثيراً بالأمور العقائديّة والقيميّة.
ووجه الاختلاف والتفاوت بين النظام الاقتصادي في الحكومة الدينيّة مع سائر أنواع الاقتصاد المختلط الغربي، في أنّ الاقتصاد في الرؤية الدينيّة وخلافاً للمدارس الماديّة ليس وسيلة لرفع وإشباع حاجات الإنسان الماديّة بل وسيلة لإشباع حاجات الإنسان المعنويّة في خط الرشد والتعالي، ومن هذه الجهة فإنّ الحكومة الدينيّة لا يمكنها أن تقف موقف الحياد فيما يتصل بحاجات الأفراد وإشباعها في حركته التكامليّة كما هو الحال في بعض المجتمعات الليبرالية [٣].
في الرؤية الشموليّة للدين فإنّ عجز السوق عن زيادة نشاطه الاقتصادي لا يمثّل السبب في تدخل الدولة في الاقتصاد، بل إنّ الرؤية الدينيّة في وظيفة الدولة في مجال التدخل والإشراف على الأمور الاقتصاديّة تهدف للوصول إلى الأهداف المتعاليّة كإقامة العدل وتوفير الأرضيّة اللازمة لرشد وتعالي الإنسان وتحسين القيم والمثل الإنسانيّة والعقائديّة، وطبعاً فإنّ مثل هذه الحكومة لا يمكنها أن تترك حقل الاقتصاد ولا تتدخل فيه.
وسوف نشير في الفصول اللاحقة إلى نوع وميزان تدخل الحكومة الإسلاميّة لتحقيق الأهداف المذكورة.
البحث الثالث: المباني النظريّة في تدخل الحكومة
من المعلوم أنّ اللَّه تعالى خلق الإنسان حرّاً
[١]. وللمزيد من الاطلاع انظر مقالة «الدولة في الاقتصاد الكينزي» (دولت در اقتصاد كينزى) تأليف الدكتور موسى غنينجاد بالفارسيّة، كتاب دور الحكومة في الاقتصاد (نقش دولت در اقتصاد) بالفارسيّة، ص ٦٥- ٧٩.
[٢]. المراد من الحكومة هنا، ليست القوّة التنفيذية فحسب، بلعبارة عن مجموعة القوى التنفيذية، القضائيّة والتقنينيّة.
[٣]. وللمزيد من الاطلاع انظر: السوق- الدولة (بازار- دولت) بالفارسيّة، ص ٦٨- ٧١؛ مباني أصول علم الاقتصاد (مبانى اصول علم اقتصاد) بالفارسيّة، ص ١٩٠- ١٩١.