موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١١ - ٦ السكينة الروحية إلى جانب التقوية البدنية
لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ» [١]
. ولا شك أنّ المراد من هذا الشكر والكفر ليس الشكر أو الكفر اللفظي واللساني، بل الشكر في مقام العمل وذلك بالاستفادة الصحيحة والمرضية للَّهمن النعم والمواهب، والكفران العملي عبارة عن استخدام رؤوس الأموال في المسار الذي نهى اللَّه تعالى عنه، وهذا الشكر والكفران العملي يعتبر من أتم مصاديق الشكر والكفران.
٦. السكينة الروحية إلى جانب التقوية البدنية
إنّ الناشط الاقتصادي ينبغي أن يلتفت إلى أنّ الإنسان ليس جسداً فقط، لكي يركز نشاطاته الاقتصاديّة على مستوى المنافع الماديّة وتهيئة أسباب الرفاه الجسماني، بل إلى جانب هذا الجسم المخلوق من
«صَلْصالٍ»
و
«حَمَأٍ مَسْنون»
، فثمة روح نفخت فيه ونسبت إلى اللَّه تعالى تشريفاً لها:
«وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُّوحِي»
، وأمر الباري تعالى الملائكة بالخضوع والسجود له:
«وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّى خَالِقٌ بَشَراً مِّنْ صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ* فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ» [٢].
إنّ تركيب الإنسان من جسم وروح أدّى إلى ظهور وتشكل مجموعة من الميول العقلانية والإلهيّة في الإنسان إلى جانب النوازع النفسانية والميول الغريزية، وهذه الضرورة يستدعي أنّ الميول الغريزية لا ينبغي كبتها واقصاؤها ممّا يؤدّي إلى طغيانها وتمردها، بل يجب تعديلها وترشيدها، ووضع زمامها بيد العقل والميول العقلانية والملكوتية، لكي يحصل الإنسان بهذه الطريقة على السعادة الماديّة والروحانية ويعيش السكينة والاستقرار في الدنيا والآخرة، كما ورد في كلام أميرالمؤمنين عليه السلام:
«من غلب عقله هواه أفلح ومن غلب هواه عقله افتضح» [٣].
وخلافاً للعالم المادي في هذا الزمان حيث نرى أنّ العقل صار خادماً للنفس والميول الغريزية، وعلى هذا الأساس قالوا بالحرية المطلقة والمنافسة الكاملة بين أفراد المجتمع في حقل الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، ولا ينبغي للحكومة أن تتدخل في هذا المجال ومن هذه الجهة تحملوا خسائر جسيمة وواجهوا معضلات جمة.
تقول الإحصاءات: على الرغم من القضاء على الكثير من الأمراض الخطيرة القديمة وإرتفاع مستوى العمر المتوسط للإنسان، فإنّ الأمراض النفسانية وحالات الكآبة إزدادت واتسعت بحيث يعيش في القصور الفارهة والحياة المرفهة أشخاص يشكون المعاناة والكآبة والقلق والاضطراب النفساني، كما أنّ حجم الكتب التي تتحدّث عن مكافحة حالات الكآبة والقلق تزداد يوماً بعد يوم، وعدد الأشخاص الذين فضّلوا الانتحار مع كونهم يعيشون حياة مرفهة في ازدياد ملحوظ، وكلّ هذه الأمور بسببب أنّ اتّجاه الاقتصاد في العالم المعاصر يتحرك نحو الرفاه المادي
[١]. سورة ابراهيم، الآية ٧.
[٢]. سورة الحجر، الآية ٢٨ و ٢٩.
[٣]. مستدرك الوسائل، ج ١٠، ص ٢١٢.