موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٣ - الثاني نفي الإحتكار والاستئثار
ويوماً بعد آخر يؤدّي الإحتكار وحصر الموارد الاقتصاديّة بيد هذه القوى الاستعماريّة إلى مزيد من الهيمنة السياسيّة والثقافيّة على الدول والشعوب المستضعفة.
والشاهد الجلي على ذلك، مساعي البلدان الغربية في الممانعة عن حصول الدول الناميّة على فنون استخدام الطاقة النوويّة السليمة.
إنّ الإسلام بتحريمه الإحتكار سلك أحد الطرق لتعديل الثروة وبالتالي منع من تمركز الثروة بهذه الطريقة بيد فئة محدودة.
يقول الإمام أميرالمؤمنين علي عليه السلام في مقطع من عهده لمالك الأشتر رحمه الله بالإشارة إلى تحريم الإحتكار:
«واعلم- مع ذلك- إنّ في كثير منهم ضيقاً فاحشاً وشُحّاً قبيحاً، واحتكاراً للمنافع وتحكّماً في البياعات وذلك باب مضرّة للعامة وعيب على الولاة» [١].
فالاحتكار في دائرة المفاهيم الإسلاميّة، يعكس حالة الفساد والرذيلة في نفوس المحتكرين، يقول الإمام أميرالمؤمنين علي عليه السلام:
«الإحتكار، شيمة الفجّار» [٢].
والمحتكر في نظر الإسلام يعدّ خائناً وتزول عنه الحماية الإلهيّة، ونقرأ في حديث عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«من احتكر حُكرة يريد أن يُغلي بها على المسلمين فهو خاطئ وقد برئت منه ذمّة اللَّه ورسوله» [٣].
نقرأ في رواية أخرى عن ابن مسعود:
«يقوم المحتكر مكتوب بين عينيه: يا كافر تبوأ مقعدك من النار» [٤].
ومضافاً إلى ذلك فإنّ الإسلام منع من «الاستئثار»، (وهو اختصاص منابع الثروة وحصرها بيد فئة قليلة أو فرد واحد)، ونرى حالياً في الاقتصاد الغربي حالات حصر منابع الإنتاج أو الثروات الطبيعيّة أو السوق المستهلكة بيد شركة أو شركات خاصّة ولكن الإسلام منع من هذا العمل، فلا يحق لأحد أن يملك امتياز الاستفادة من هذه الموارد الطبيعيّة لنفسه.
ومن موارد استعمال كلمة «الاستئثار» الواردة في النصوص الدينيّة، أنّ القائمين بعمل الاستئثار يطلق على الأثرياء المتنفذين في الأجهزة الحكوميّة الذين يتحركون على مستوى حصر امتياز وملكيّة المنابع الطبيعيّة والثروات العامّة مثل ملكيّة المراتع، المعادن، الغابات، البحار أو يملكون امتياز إنتاج أو تجارة بضاعة معينة وبهذه الطريقة يحصلون على ثروات عظيمة، وهذا العمل ممنوع في نظر الإسلام أيضاً.
إنّ الإسلام وبإيجاده للقطاع العام من الملكيّة والأنفال، فإنّه قد جعل ملكيّة الأراضي الموات والغابات والبحار والأنهار والمعادن وأمثالها بيد الحكومة الإسلاميّة، وفي الحقيقة فإن الإسلام بإيجاده هذا النوع من الملكيّة، استطاع القضاء على عوامل زيادة الثروة للقطاع الخاص بشكل غير متعادل، وبهذا
[١]. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
[٢]. غرر الحكم، ح ٨٢٠٤.
[٣]. كنز العمال، ج ٤، ص ٩٧، ح ٩٧١٩؛ مستدرك الحاكم، ج ٢، ص ١٢.
[٤]. كنز العمال، ج ١٦، ص ٦٥، ح ٤٣٩٥٨.