موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٠ - ٣ الأهداف وأولويات الإنتاج
الطبيعيّة في العالم للإنسان وجعلها تحت تصرفه [١]، ومع التأكيد على التصرف في عناصر الإنتاج دعا الإنسان إلى إحياء الأرض بحيث تكون مستعدة للاستفادة منها، يقول القرآن الكريم:
«هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا» [٢].
وكلمة «اعمار» و «عمارة» تعني، أنّ الإنسان يخرج الأرض من حالتها الطبيعيّة إلى حالة تستطيع هذه الأرض أن ترضي حاجاته وينتفع من منافعها وخيراتها [٣].
وكلمة الإعمار والاستعمار في اللغة وردت أيضاً بمعنى التحرك على مستوى إحياء الأرض وعمرانها [٤].
ويستفاد بوضوح من هذه الآية أنّ أي نوع من النشاطات المنتجة لغرض إحياء الأرض تصب في مسار المشيئة الإلهيّة، لأنّ اللَّه تعالى هو الذي دعا الإنسان لإحياء الأرض وإعمارها.
وهذه الإرادة الإلهيّة انعكست في تعاليم الإسلام الذي يؤكد على احترام العمل إلى حدّ أنّه ورد في الحديث الشريف عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألّا تقوم حتّى يغرسها فليغرسها» [٥].
وهذا التعبير يبيّن الأهميّة القصوى لمسألة العمران وإحياء الأراضي وإصلاحها.
٣. الأهداف وأولويات الإنتاج
يعتبر «الحد الأقصى من الربح مع الحدّ الأدنى من النفقات» الهدف النهائي والأصل للنشاطات الانتاجيّة في النظام الرأسمالي، وفي هذا النظام فإنّ كلّ عمل ينتهي بربح أكثر، هو الذي يتعين العمل به في خط الإنتاج مهما ترتبت عليه من مفاسد اجتماعيّة أو تخريب البيئة وتلويثها وحتى هلاك البشر، ومن هذه الجهة فإنّ إنتاج الإسلحة الميكروبيّة والكيميائيّة، والمخدرات والمشروبات الكحوليّة في هذا النظام الاقتصادي تكون مورد الاهتمام ويتحرك النشطاء الاقتصاديون في هذا النظام الرأسمالي بهذا الاتجاه.
ولكن الإسلام، وضمن قبوله للدوافع الطبيعيّة والماديّة في الإنسان في مجال كسب المزيد من الربح، يسعى لتناغم وإنسجام هذه الميول الماديّة في الإنسان مع البواعث الفطريّة والقيم الأخلاقيّة والمعنويّة ويدفعه في خط الرشد والتعالي الإنساني، ومضافاً إلى تشويقه إلى كسب المزيد من الربح، فإنّه يدعوه إلى كسب مكارم الأخلاق والكمالات الإنسانيّة أيضاً، ومن هذه الجهة فإنّ الدين الإسلامي يقرر وجود علاقة وثيقة بين هذين الدافعين، واهتم في الحقيقة بالرشد المادي والمعنوي للإنسان وأخذ بنظر الاعتبار
[١]. «سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّماوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» (سورة الجاثية، الآية ١٣).
«سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ* وَآتَاكُمْ مِّنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ» (سورة إبراهيم، الآية ٣٣ وسورة الحج، الآية ٦٥)
«هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِّزْقِهِ» (سورة الملك، الآية ١٥).
[٢]. سورة هود، الآية ٦١.
[٣]. انظر: الميزان، ج ١٠، ص ٣١٠.
[٤]. مفردات الراغب، مادة «عَمَر» (أعمرته الأرض واستعمرته إذا فوَّضت إليه العمارة).
[٥]. كنز العمال، ج ١٢، ص ٣٤١، ح ٣٥٣١٦؛ مسند أحمد، ج ٣، ص ١٩١ مع الاختصار.