موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٥ - ٣ حفظ كرامة الإنسان وعزّته النفسانية
حاجته الاقتصاديّة، فقال له الإمام عليه السلام:
«أنا أضنّ بك أن تطلب مثل هذا وشبهه ولكن عوّل على مالي» [١].
وورد في حديث آخر عن الإمام الباقر عليه السلام:
«من طلب الرزق في الدنيا استعفافاً عن الناس وتوسيعاً على أهله وتعطّفاً على جاره لقى اللَّه عزّ وجلّ يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر» [٢].
وقد ورد في منابع أهل السنّة عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«لا يفتح عبد باب مسألة إلّافتح اللَّه عليه باب فقر» [٣]
وكذلك ورد في ذيل رواية بهذا المضمون:
«لأنّ
العفّة خير» [٤]
ونقرأ في ذيل رواية ثالثة بهذا المضمون والمحتوى:
«لأن يأخذ أحدكم أحبله فيأتى الجبل فيحتطب على ظهره فيبيعه فيأكله خير له من أن يسأل الناس معطًى أو ممنوعاً» [٥].
ج) إنّ الأفراد في المجتمع الذي يقوم اقتصاده على أساس الإيمان والكرامة الإنسانيّة، يعملون في موارد المصرف والإنفاق بصورة كريمة، بحيث إنّ الفقراء والمحتاجين لا يشعرون بالذلة والمهانة [٦]، ومن هذه الجهة نقرأ في السلوك العملي لأولياء الدين أنّهم في إطعامهم للفقراء والمعوزين لا يتصرفون بشكل يشعر هؤلاء بالحقارة والذلة، مثلًا لم يكونوا يدفعون الطعام إليهم بشكل مباشر، بل يختارون من المائدة أطيب الطعام ويضعونه في صحيفة كبيرة ثمّ يرسلونها إليهم:
«كان الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام إذا أكل أتى بصحفة فتوضع بقرب مائدته فيعمد إلى أطيب الطعام ممّا يؤتى به فيأخذ من كلّ شيء شيئاً فيضع في تلك الصحفة ثمّ يأمر بها للمساكين» [٧].
وهذه المسألة لا تختص بالمسلمين، بل تجري في مورد غير المسلمين أيضاً، من الذين يعيشون مع المسلمين بحياة مسالمة.
وقد ورد في الخبر أنّ أحد أصحاب الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام ويدعى زكريا بن آدم سأل من رجل من أهل الذمة عن سبب ابتلائه بالفقر والمسكنة، وكان يريد من ذلك بيان ذلة العبودية لابنه لكي يحصل على شيء من الزاد ويشبع بطنه من الطعام، فقال له الإمام عليه السلام:
«لا يبتاع حرّ فإنّه لا يصلح لك ولا من أهل الذمّة» [٨].
وكذلك ورد في الخبر أنّ أميرالمؤمنين علي عليه السلام رآى نصراني يعيش في حالة من الذلة والسؤال بعد أن قضى عمره في العمل والسعي وقد صار شيخاً كبيراً وبصيراً، فلم يقبل بذلك الإمام علي عليه السلام وأمر أن ينفق عليه من بيت المال وقال:
«استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه؟ أنفقوا عليه من بيت المال» [٩].
د) يستفاد من روايات عدّة أنّ الإنسان لا ينبغي أن يشتغل أجيراً وعاملًا لشخص آخر من بداية عمره إلى نهايته، يعني أنّه من الأفضل بعد أن يشتغل الإنسان
[١]. الكافي، ج ٢، ص ١٤٩، ح ٥.
[٢]. المصدر السابق، ج ٥، ص ٧٩، ح ٥.
[٣]. كنز العمال، ج ٦، ص ٥٠٦، ح ١٦٧٤٦ وبهذا المضمون فيالحديث ١٦٧٤٤.
[٤]. المصدر السابق، ح ١٦٧٤٤.
[٥]. المصدر السابق، ح ١٦٧٤٧.
[٦]. تحف العقول، ص ٣٣٠؛ مسند الإمام الرضا، ج ٢، ص ٣١٥.
[٧]. الكافي، ج ٤، ص ٥٢، ح ١٢.
[٨]. تهذيب الأحكام، ج ٧، ص ٧٧؛ مسند الإمام الرضا، ج ٢، ص ٣٠٤.
[٩]. وسائل الشيعة، ج ١٥، ص ٦٧؛ الحياة، ج ٢، ص ٣٩٨.