موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٩ - ٢ أهميّة التنمية الاقتصاديّة في الإسلام
«إنّ مفهوم الحياة الطيّبة من السعة بحيث يشمل كلّ ما ذكروه وغيره، فالحياة الطيّبة بجميع جهاتها، خالية من التلوّثات والظلم والخيانة والعداوة والذل وكلّ ألوان الآلام والهموم، وفيها ما يجعل حياة الإنسان صافية كماءٍ زلال» [١].
وعلى ضوء ذلك فإنّ النمو والتنمية في نظر الدين، مضافاً إلى الكثرة والسعة والكيفية العالية للمنتجات والمحصولات، فإنّها تتضمّن التوزيع العادل للثروة وما إلى ذلك، وتنطوي على المعنويّة والأخلاق في ثناياها، والمجتمع الإسلامي مضافاً إلى الاستفادة من النعم والمواهب الإلهيّة الكثيرة:
«وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً» [٢]
، يملك أيضاً الإيمان والمعنويّة ويصل في مسالك التطور والتقدم بحيث يثير إعجاب الجميع ويثير حسد الأعداء.
ويتحدّث القرآن الكريم بعبارات بليغة عن وصف الناس في مثل هذا المجتمع ويقول:
«... كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ» [٣].
والناس في هذا المجتمع، وبتبع ذلك المجتمع الإسلامي نفسه فيما إذا تحرك على مستوى تطبيق التعاليم الإسلاميّة، فإنّهم يصلون إلى مراحل من الرشد والرقي إلى درجة أنّه يتسبب في إعجاب القائمين على هذا المجتمع والمبدعين لذلك التمدن، وأيضاً يورث عملهم هذا غضب قوى الهيمنة والسلطة الذين لا يفكرون إلّابمطامعهم ومنافعهم ويرون أنّ تطور المجتمع الإسلامي وإزدهاره ينتهي إلى ضررهم والقضاء على منافعهم.
ولا ينبغي الغفلة عن أنّ ما تقدّم بيانه إنّما يتحقق في صورة حاكمية وسيادة المعايير الإلهيّة والإسلاميّة.
٢. أهميّة التنمية الاقتصاديّة في الإسلام
إنّ الرشد والتنمية في الإسلام تحظى بأهميّة واهتمام كبيرين، فالإسلام مضافاً إلى سعيه في إزاحة الخرافة والجهل عن الذهنية العامّة فإنّه اهتم بتصحيح العقائد والإعمار في مجال الآخرة والرفاه والرشد والتنمية الاقتصاديّة للناس في مجال الدنيا.
فتارة يتحرك على مستوى ترغيبهم في الاستفادة من الدنيا:
«قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ» [٤]
، وأحياناً أخرى يتحرك على مستوى تحذير الأشخاص الذين حرموا على أنفسهم الاستفادة من الطيبات في الدنيا:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ» [٥]
وبذلك يدعو المسلمين لبذل جهدهم وسعيهم في كافة مجالات الحياة.
وكذلك يطلب من الناس بصراحة أن يتحركوا على مستوى إعمار الدنيا:
«هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ
[١]. التفسير الأمثل، ج ٧، ذيل الآية مورد البحث.
[٢]. سورة لقمان، الآية ٢٠.
[٣]. سورة الفتح، الآية ٢٩.
[٤]. سورة الأعراف، الآية ٣٢.
[٥]. سورة المائدة، الآية ٨٧.