موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٨ - ٢ اجتناب الاستئثار
والتبليغ الواسع يقوم بتشويق الناس للإسراف كيما تحصل الشركات وأصحاب الرساميل على ربح أكثر، ومعلوم أنّ الإسلام حرّم الإسراف والتبذير بكلّ أشكاله.
وأحد الشعارات المعروفة في الإسلام والمقتبسة من القرآن الكريم:
«كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» [١].
وهذه المسألة إلى درجة من الأهميّة أنّ القرآن الكريم جعل المبذرين إخوان الشياطين، الشيطان الذي تمرد على خالقه وكفره بنعمه:
«إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً» [٢].
وفي الحقيقة أنّ الإسراف في استهلاك الأجناس، يعتبر نوعاً من كفران النعمة، فكما أنّ الشيطان كفر بنعمة اللَّه ولم يشكرها، فإنّ المسرفين أيضاً باهدار الأموال وعدم المبالاة بهذه النعمة، فإنّهم يكفرون بالنعم الإلهيّة ولا يشكرونها، في حين أنّ أحد أصول الاقتصاد في العالم المعاصر هو دعوة المستهلكين بطرق مختلفة إلى زيادة الاستهلاك بل التوجه إلى الأشياء والوسائل التي ليست بذات قيمة استهلاكيّة أو أنّها قليلة القيمة.
وفي الروايات الإسلاميّة أيضاً نرى بوضوح العلاقة بين الإسراف والفقر كما ورد في حديث عن أميرالمؤمنين علي عليه السلام أنّه قال:
«إنّ السَّرَف يورث الفقر وإنّ القصد يورث الغنى» [٣].
وقد ورد في الروايات الإسلاميّة بيان أهميّة الاستهلاك والمصرف الصحيح للمواهب الإلهيّة إلى درجة أنّ الحديث المعروف يقرر إلقاء الماء المتبقي في الإناء أو إلقاء نواة التمر يعدّ من مصاديق الإسراف.
يقول سليمان بن صالح: سألت الإمام الصادق عليه السلام عن أقل درجة من الإسراف؟ قال عليه السلام:
«... إهراقك فضل إنائك، وأكلك التّمر ورمْيك بالنّوى هيهنا وهيهنا» [٤].
٢. اجتناب الاستئثار
إنّ أحد المظاهر السيئة في الاقتصاد العالمي المعاصر، حالة البخل والاستئثار، فأصحاب رؤوس الأموال في العالم الرأسمالي الكبير يسعون دائماً لحفظ أسرار ورموز التقنية المتطورة لئلا تقع بيد الآخرين، حتى بالنسبة للأدويّة التي تتوقف عليها حياة الناس نرى أنّ حالة البخل والاستئثار مشهودة.
إنّ إقتران هذه الرذيلة الأخلاقيّة بالمسائل الاقتصاديّة يعدّ أحد أسباب الفقر في العالم الثالث وزيادة الفاصلة بين الشعوب الضعيفة والرأسماليّة، في حين أنّ القرآن الكريم ينهى بشدّة عن البخل في الإنفاق، ويقول:
«هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَّنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ
[١]. سورة الأعراف، الآية ٣١.
[٢]. سورة الإسراء، الآية ٢٧.
[٣]. الكافي، ج ٤، ص ٥٣، ح ٨.
[٤]. المصدر السابق، ج ٦، ص ٤٦٠. وفيما يتصل بنهي الإسلام عن الإسراف والتبذير وكذلك ما ورد من الإحصاءات فيما يتصل بالاستهلاك في العالم الغربي انظر بحث: «اجتناب كلّ أشكال الإسراف».