موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦١ - ٤ نفوذ عملاء الاستعمار
العوامل الحقيقيّة (الداخلية والخارجية):
بعد أن استعرضنا الآراء الآخرى، ينبغي الآن التحقيق في العوامل الحقيقيّة لظاهرة الفقر في المجتمع البشري.
الفقر، بمعنى عدم انتفاع أفراد البشر من جميع النعم التي يحتاجونها يعدّ آفة تعرض على الإنسان بسبب العوامل العارضة.
وبعض هذه العوامل تتعلق بالآخرين (العوامل الخارجية) من قبيل المدراء والمسؤولين والأثرياء في المجتمع البشري وبعض هذه العوامل والعلل تتعلق بالفقراء والمحرومين أنفسهم (العوامل داخلية).
أ) العوامل الخارجية
مشكلات الإدارة:
إنّ دور مدراء المجتمع في إيجاد الفقر أكثر من سائر العوامل الأخرى، وفي البداية نستعرض العوامل المتصلة بهؤلاء المدراء:
١. سوء الإدارة والتخطيط:
إنّ كيفية الإدارة لها تأثير كبير في تطور أو ركود المجتمع وفي إيجاد حالات الفقر والغنى، فبعض شعوب العالم استطاعت بأقل الإمكانات والمعادن والذخائر، ولكن بإدارة صحيحة ونظام فاعل، من حلّ مشكلاتها الاقتصاديّة، في حين أنّ الكثير من البلدان تعيش حالات الإنهيار في النظام السليم للحياة بسبب سوء إدارة القائمين والمسؤولين عليهم، يقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام:
«حسن التدبير يُنْمى قليل المال وسوء التّدبير يُفْني كثيره» [١].
ويقول النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله أيضاً:
«ما أخاف على امّتي الفقر ولكن أخاف عليهم سوء التّدبير» [٢].
وهذا الحديث الشريف يشير إلى أمر دقيق، وهو أنّ المجتمع الذي يعيش الفقر يستطيع بإدارة صحيحة أن يقف على قدمه ولكن سوء التدبير في المجتمع هو المنشأ لظهور حالات الفقر والكثير من الظواهر السلبية الأخرى في المجتمع، ففي بلد يعيش إدارة ضعيفة وسيئة فإنّ القابليات والإمكانات لدى الأفراد ستبقى راكدة ولا تتفتح وتنمو ولا يمكن الاستفادة الأفضل من تخصص النخب وأهل الخبرة وتبقى المنابع الطبيعيّة والثروات الماديّة (الأراضي، المياه، والمعادن) متروكة لحالها.
وقد نهى الإسلام من إعطاء الأموال للسفهاء:
«وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً» [٣]
. وبديهي أنّ تفويض المناصب الحساسة المتعلقة بالمجتمع للأشخاص الذين يفقتدون إلى قوة الإدارة أخطر بكثير من إعطاء الأموال للسفهاء.
٢. الخيانة:
مع الالتفات إلى أنّ أكثر أموال الناس بيد الحكومات، فالخيانة في حماية تلك الأموال ووصولها إلى فئة قليلة ومنع الآخرين من الاستفادة منها، سيؤدي إلى ظهور حالات الفقر في المجتمع.
يقول رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«الأمانة تجلب الغنى، والخيانة تجلب الفقر» [٤].
وهذا الكلام كما يصدق بالنسبة لأمانة وخيانة الفرد، فإنّه يصدق على المجتمع كلّه، يقول لقمان الحكيم لابنه:
«كن أميناً تكن غنيّاً» [٥].
٣. الإهمال في جمع الضرائب الإسلاميّة
(الأوقاف، الخراج والمقاسمة، الزكوات والأخماس): إنّ بعض الحقوق الماليّة هي من حقّ الفقراء والمحتاجين، وينبغي أن تؤخذ من قِبل الحاكم الإسلامي وتنفق على مواردها ومصارفها، كما قال الباري تعالى مخاطباً نبيّه الكريم صلى الله عليه و آله:
«خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً» [٦]
، ومن هذه الجهة فإنّ النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله كان يرسل عمّالًا لجمع الزكوات وورد التعبير عنهم في الروايات بالمصدّق [٧]، والخراج والمقاسمة أيضاً يجب أن تقوم الحكومة الإسلاميّة بجمعها بواسطة العاملين عليها ثمّ صرفها وإنفاقها على مصالح المسلمين.
ويجمع فقهاء الشيعة على أنّ أخذ مثل هذه الضرائب يجوز للأشخاص المستحقين لها من يد السلاطين وحكّام الجور مع أنّهم يفتقدون الولاية الشرعية التي تسوّغ لهم أخذها من الناس.
والحال أنّه إذا كان ثمة قصور وضعف في جمع هذه الأموال من قِبل الحكومة، فإنّ ظاهرة الفقر ستنتشر في جو المجتمع [٨]، يقول الإمام علي عليه السلام في كتاب إلى أحد عمّاله:
«وَإِنَّ لَكَ فِي هذِهِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً مَفْرُوضاً، وَحَقًّا مَعْلُوماً، وَشُرَكَاءَ أَهْلَ مَسْكَنَةٍ، وَضُعَفَاءَ ذَوِي فَاقَةٍ، وَإِنَّا مُوَفُّوكَ حَقَّكَ، فَوَفِّهِمْ حُقُوقَهُمْ، وَإِلَّا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ خُصُوماً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَبُؤْساً لِمَنْ- خَصْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ- الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالسَّائِلُونَ وَالْمَدْفُوعُونَ، وَالْغَارِمُونَ وَابْنُ السَّبِيلِ» [٩].
٤. نفوذ عملاء الاستعمار:
إنّ كلمة استعمار واستثمار في المصطلح المعاصر تعني عمليّة الاستغلال من طرف واحد والاستيلاء على أتعاب الآخرين [١٠]، وهذا البلاء الاجتماعي تمظهر في القرون الأخيرة بواسطة الحكومات الكبيرة بالنسبة للدول الضعيفة والشعوب الفقيرة وبالتالي تسبب في حالات الفقر العام بين أفراد هذه المجتمعات الضعيفة، وفي المجتمعات البشريّة القديمة كانت ظاهرة الاستعمار تأخذ صوراً أخرى، وأحد رسوم وعادات الجاهلية الاستيلاء على أتعاب النساء من قِبل الرجال وإبقاهن في حالة الفقر والعوز،
[١]. غرر الحكم، ح ٨٠٨١.
[٢]. عوالي اللئالي، ج ٤، ص ٣٩.
[٣]. سورة النساء، الآية ٥.
[٤]. بحار الأنوار، ج ٧٢، ص ١١٤، ح ٦.
[٥]. وسائل الشيعة، ج ٨، ص ٥٠٩، ح ٣٣.
[٦]. سورة التوبة، الآية ١٠٣.
[٧]. انظر: الكافي، ج ٣، ص ٥٣٦؛ صحيح البخاري، ج ٢، ص ١٢٢ و ١٢٤.
[٨]. المكاسب المحرّمة، الشيخ الأنصاري، ج ٢، ص ٢٠١.
[٩]. نهج البلاغة، الكتاب ٢٦.
[١٠]. قاموس الاصطلاحات المعاصرة (فرهنگ اصطلاحاتمعاصر) بالفارسيّة، ص ٦١.