موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٥ - رأي فقهاء أهل السنّة بالتسعير
١. التسعير
يترتب على ظاهرة الغلاء آثار سيئة اجتماعيّة ونفسيّة وعلى حدّ تعبير الإمام الصادق عليه السلام:
«غلاء
السعر يسيّىء الخُلق ويُذهب الأمانة ويضجر المرء
المسلم» [١].
ورغم أنّ الأساس في حرية النشاطات الاقتصاديّة، يدور حول تعيين السعر على أساس العرض والطلب، فالحكومة لا ينبغي أن تتدخل في عمليّة التسعير للبضاعة [٢]، ولكن في موارد خاصّة وبالنسبة لمنتوجات معينة تقوم الحكومة بتسعيرها للحيلولة دون وقوع الإجحاف في حقّ الناس فلا يترتب على اضطراب الأسعار الآثار المخربة النفسيّة والاجتماعيّة.
وفيما يتصل بجواز أو عدم جواز التسعير بواسطة الحكومة، فثمة كلام بين الفقهاء ناشيء من اختلاف الروايات في هذا المجال.
وقد ورد في كتب متعددة ومعتبرة رواية مشهورة تقول: إنّ بعض المبيعات والمحصولات في عصر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ارتفعت أسعارها، فجاء الناس إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يطلبون منه تسعير البضائع فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«إنّ اللَّه هو المُسعِّر القابض الباسط الرّازق،
إنّي لأرجو
أن ألقى اللَّه عزّوجلّ وليس أحد منكم
يطلبني بمظلمة في دم ولا مال» [٣].
وورد في رواية أخرى أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله مرّ على المحتكرين فأمر بحكرتهم أن تخرج إلى بطون الأسواق، وحيث تنظر الأبصار إليها، فقيل: لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله: لو قوّمت عليهم فغضب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله حتى عرف الغضب في وجهه، فقال:
«أنا اقوّم عليهم؟ إنّما
السّعر إلى اللَّه يرفعه إذا شاء
، ويخفضه إذا شاء» [٤]
، وهذا التعبير يمكن أن يكون إشارة إلى مسألة العرض والطلب.
وطبقاً لرواية أخرى قيل للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله: لو سعرت لنا سعراً فإنّ الأسعار تزيد وتنقص، فقال:
«ما
كنت لألقي اللَّه ببدعة لم يحدث إليّ فيها شيئاً، فدعوا
عباد اللَّه
يأكل بعضهم من بعض وإذا استنصحتم
فانصحوا» [٥].
ويقول العلّامة الحلّي في إشارة إلى الرواية المستفيضة عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في الحكمة من امتناعه عن التسعير:
«ولأنّ الأصل تحريم نقل مال الغير عنه
بغير إذنه ولأنّه ماله فلم يجز منعه من بيعه» [٦]
أي بالقيمة التي يطلبها.
رأي فقهاء أهل السنّة بالتسعير
يقول وهبة الزحيلي هو يتحدّث عن الرواية المشهورة عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «فالنبي صلى الله عليه و آله لم يسعّر. ولو
[١]. الكافي، ج ٥، ص ١٦٤، ح ٦.
[٢]. يقول وهبة الزحيلي: «الأصل عدم التسعير، ولا يسعّر حاكمعلى الناس، وهذا متفق عليه بين الفقهاء» (الفقه الإسلامي وأدلّته، ج ٤، ص ٢٦٩٥).
[٣]. مسند أحمد، ج ٣، ص ٢٨٦؛ سنن الدارمي، ج ٢، ص ٢٤٩؛ سنن ابن ماجة، ج ٢، ص ٧٤١.
[٤]. وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٣١٧، ح ١.
[٥]. وسائلالشيعة، ج ١٢، ص ٣١٨، ح ٢.
[٦]. منتهى المطلب، ج ٢، ص ١٠٠٧.