موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٨ - ٧ المعنويّة والأخلاق
والنقطة الملفتة للنظر هنا أنّ القرآن الكريم في ذيل هذه الآية يقول:
«وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَاتُظْلَمُونَ» [١]
، توحي بأنّ هذا المقطع من الآية الشريفة يرتبط كثيراً ببحثنا هذا، وكأنّه يريد أن يقول:: إنّ المسلمين كلّما أنفقوا من أموالهم وإمكاناتهم في مسار تقوية الجوانب العلميّة والدفاعيّة والاقتصاديّة وكان الباعث لهم على ذلك رضا اللَّه تعالى وتقوية البلد الإسلامي والدين الحق، فإنّ نتيجة هذه المساعي تعود على المسلمين أنفسهم وسوف لا يواجهون أي ضرر وخسارة في هذا السبيل.
وقد ورد في التعاليم الإسلاميّة التأكيد الشديد على الاعتماد على الذات وعدم التبعية للآخرين، ويعبّر عن ذلك في الروايات الشريفة ب «قطع طمع من الغير» أو «القناعة والإكتفاء»، وعلى سبيل المثال:
١. ورد أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال لرجل طلب منه بعض الموعظة:
«عليك بالإياس ممّا في أيدي الناس وإيّاك والطّمع فإنّه الفقر الحاضر» [٢].
٢. وقال النّبي صلى الله عليه و آله أيضاً:
«عليكم بالقناعة فإنّ القناعة مال لا ينفد» [٣].
٣. ويقول الإمام زين العابدين عليه السلام:
«رأيت الخير كلّه قد اجتمع في قطع الطّمع عمّا في أيدي النّاس» [٤].
٤. ويقول الإمام علي عليه السلام:
«ثمرة القناعة العزوف عن الطلب» [٥].
٥. ويقول الإمام علي عليه السلام أيضاً:
«القناعة رأس الغنى» [٦].
٧. المعنويّة والأخلاق
من المعالم المهمّة للتنمية في نظر الإسلام، وجود المعنويّة والأخلاق في المجتمع، والمجتمع الذي ينمو ويتطور في البعد المادي فقط دون أن يعيش الأخلاق والمعنويّة، فإنّه مجتمع متخلف وغير راشد.
إنّ التنمية الشاملة في نظر الإسلام، تستوعب جميع أبعاد حياة الإنسان الماديّة والمعنويّة، وأساساً فإنّ سائر أهداف التنمية يجب أن تصب في هذا الهدف السامي، وهو ترشيد جميع قابليات الإنسان في مسار الكمال والمعنويّة.
إنّ العناصر المعنويّة والأخلاقيّة في المجتمع تتجسد في حركة الإنسان في خط العبودية والسعي باتّجاه الرشد والتعالي المعنوي واكتساب الخصال الحميدة مثل حبّ الآخرين، الإيثار، المودة والابتعاد عن الفحشاء والفساد والإسراف والنفعية وما إلى ذلك.
إنّ القرآن الكريم عندما يستعرض لنا قصّة ملكة سبأ فإنّه يثني على حسن النظام والإدارة في مجتمعها وفي ذات الوقت فإنّه ينتقد ظاهرة عبادة الشمس والشرك في مجال معتقدهم الديني.
فيقول بداية:
«إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ» [٧]
، ولكن يستطرد في سياق الآية:
«وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَايَهْتَدُونَ» [٨].
وهكذا نرى النّبي سليمان عليه السلام يسعى لهدايتهم إلى طريق التوحيد وعبادة اللَّه وينهاهم عن عبادة غير اللَّه:
«وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَّعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ» [٩].
وفي الحقيقة فإنّ النّبي سليمان عليه السلام الذي كان يحكم على بلد واسع وقوي، فإنّ مجرّد توفر
[١]. سورة الأنفال، الآية ٦٠.
[٢]. مستدرك الحاكم، ج ٤، ص ٣٢٦.
[٣]. معجم الأوسط، ج ٧، ص ٨٤.
[٤]. الكافي، ج ٢، ص ١٤٨، ح ٣.
[٥]. غرر الحكم، ح ٩٠٧٨.
[٦]. غرر الحكم، ح ٩٠٣٠.
[٧]. سورة النمل، الآية ٢٣.
[٨]. سورة النمل، الآية ٢٤.
[٩]. سورة النمل، الآية ٤٣.