موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٦ - الأوّل المواساة
حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً» [١].
الرابع: الزهد
«الزهد» وعدم الرغبة بزخارف الدنيا وعدم الإنجرار وراء الملذات الرخيصة من جملة الصفات التي ورد التأكيد عليها والاهتمام بها في تعاليم الإسلام، فالزاهد لا يجد في نفسه رغبة لجمع المال وإدّخاره بل لا يجد في نفسه حرجاً من بذل أمواله في سبيل رفع حوائج الناس وبهذه الطريقة يجعل الدنيا مزرعة الأخرة ويدّخر ماله في آخرته [٢].
ز) التوصيات الأخلاقيّة
الأوّل: المواساة
تعتبر المواساة من جملة الأخلاق الإسلاميّة المتميزة وعلامة على خلوص الإيمان وشخصية المؤمن السامية، وتعد المواساة قطعاً من أفضل الطرق للحيلولة دون تجميع وتكدس الثروة، لأنّها تعني أنّ الإنسان يعتبر الآخرين شركاء في ماله وإمكاناته في واقع الحياة الدنيويّة [٣].
والمواساة في دائرة الثقافة الدينيّة تعتبر معيار التدين، وجاء في رواية عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«من واسَى الفقير من ماله ... فذلك المؤمن حقّاً» [٤].
ويقول الإمام الصادق عليه السلام:
«خصلتان من كانتا فيه، وإلّا فاعزِبْ، ثمّ اعزِبْ، ثمّ اعزب، قيل: وما هما؟ قال:
الصلاة في مواقيتها والمحافظة عليها والمواساة» [٥].
وبهذه الصفة الأخلاقيّة يمكن تسريع الحركة التكامليّة في المجتمع وتعميق وشائج المودة وتقوية العلاقات الاجتماعيّة بين أفراد المجتمع الإسلامي، يقول الإمام علي عليه السلام:
«ما حُفِظت الأخوّة بمثل المواساة» [٦].
وكذلك يمكن في ظلّ هذه الفضيلة الأخلاقيّة التقليل من حالات الفقر في المجتمع والحيلولة دون تجمع الثروة بيد الأغنياء.
وفي نظر الدين فإنّ الإخوة الدينيّة تصل في ظلّ «المواساة» إلى مراتب عالية من الرقي والكمال بحيث يرضى أحدهم أن يأخذ الأخرون من ماله لقضاء حاجاته، ولو كان بدون علم منه، ونقرأ في حديث الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال:
«يا ابن ارطاة كيف تواسيكم؟»
قلت: صالح يا أباجعفر، قال:
«يدخل أحدكم يده في كيس أخيه فيأخذ حاجته إذا احتاج إليه؟»
قلت: أمّا هذا فلا، فقال له:
«لو فعلتم ما احتجتم» [٧].
إنّ وجود حالات الفقر في المجتمعات الإسلاميّة يحكي عن هذه الحقيقة المرّة، وهي أنّ المواساة التي
[١]. سورة الإنسان، الآية ٨.
[٢]. انظر: بحث «عدم التضاد بين الزهد الإسلامي والنشاطات الاقتصاديّة الواسعة» في هذا الكتاب.
[٣]. نقرأ في كتاب لسان العرب في تعريف المواساة: «المواساة: المشاركة والمساهَمة في المعاش والرزق» (لسان العرب، مادة «مواساة»).
[٤]. الكافي، ج ٢، ص ١٤٧، ح ١٧، باب الانصاف و العدل.
[٥]. الخصال، للصدوق، ص ٤٧، ح ٤٥٠.
[٦]. عيون الحكم والمواعظ، ص ٤٧٧؛ غرر الحكم، العد ٩٨٧٨.
[٧]. بحار الأنوار، ج ٧٥، ص ١٨٤، ح ١٢.