موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٢ - الثاني نفي الإحتكار والاستئثار
مثمرة، ولكن نتيجة عملهم تصب في جيوب المرابين، وإذا وقع ضرر أو خسارة فإنّها تلحق بالطبقة الكادحة من المجتمع دون طبقة المرابين.
وهذا هو معنى أنّ «أكل الربا» أحد العوامل الأساسيّة في شيوع الفقر وتكريس وتعميق الفاصلة الطبقيّة، يعني أنّ الربا يتسبب في أن تظهر في المجتمع طبقة غير منتجة ولكنّها رأسماليّة وتملك ثروة كبيرة تتحرك من موقع إمتصاص خيرات وثروات الطبقة الضعيفة والمنتجة، وغني عن البيان أنّ هذا النوع من الفساد الاقتصادي يستتبعه مفاسد أخلاقيّة واجتماعيّة وسياسيّة مختلفة ويكون سبباً لتقويّة حالة التبعيّة للأجنبي.
ومن هذا المنطلق يقول الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في كلامه عن تحريم الربا:
«ولما في ذلك من الفساد والظلم وفناء الأموال» [١].
ومن اللازم الإشارة إلى هذه النقطة، وهي أنّ فلسفة اختراع المال منذ البداية تتمثّل في أنّ المال وسيلة لنقل الملكيّة من شخص لآخر لا أنّه بضاعة مربحة، ولكن في النظام الربوي فإنّ هذه الغاية من وجود المال تمّ تحريفها من خلال جعل المال بصورة بضاعة مربحة.
وعلى أيّة حال فالإسلام مع وقوفه بحزم في مقابل العمليات الربويّة وتحريم الربا يقرر أنّ الأموال الربويّة لا تعتبر ملكاً للمرابي، بل بصورة مال غصبي بيده، ويجب على الحكومة الإسلاميّة تسليمه إلى أصحابه، وبذلك يجعل الإسلام سدّاً محكماً في مقابل هذا النوع من إكتناز الأموال.
الثاني. نفي الإحتكار والاستئثار
والمراد من الإحتكار، كما سبقت الإشارة إليه وإدّخار وخزن ما يحتاج إليه الناس بشكل عام في وقت يكون العرض أقل من الطلب، من أجل زيادة قيمة البضاعة بهذه الطريقة، والمراد من الاستئثار بالمال في دائرة الإنتاج، هو أنّ إنتاج بضاعة مورد احتياج عامّة الناس تكون بيد فرد أو فئة خاصّة، والمراد من الاستئثار في دائرة الاستهلاك، هو أنّ سوق استهلاك البضائع التي يحتاج إليها الناس يقع بيد فرد أو فئة خاصّة، فجميع هذه الموارد تؤدّي إلى زيادة قيمة المنتوجات والمبيعات بشكل موهوم وكاذب.
وبسبب هذه الممارسات تظهر حالات العرض القليل بشكل موهوم وبالتالي زيادة أسعار البضائع بشكل وهمي أيضاً، وبهذه الطريقة تعود أرباح وفيرة على المحتكرين والمستأثرين في المجال الاقتصادي.
وسابقة هذا العمل وإن كانت تعود بشكلها البسيط والابتدائي إلى بدايات نشوء الحياة الاجتماعيّة للبشر في التاريخ القديم ولكنّها في العصر الحاضر وبواسطة الإحتكار والاستثمارات الاقتصاديّة تعدّ أحد أكبر الوسائل الاستعماريّة وأهم أساليب الضغط من قِبل قوى الهيمنة والاستكبار العالمي على الدول الضعيفة،
[١]. عيون الأخبار، ج ٢، ص ٩٤؛ من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ٥٦٦.