موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٦ - ٣ ضبط الاستهلاك
ويدفعونهم نحو إشباع حاجات موهومة وزيادة عمليّة الاستهلاك، وبالتالي يحصلون على أرباح طائلة من هذه العمليّة.
إنّ الميل للتجمل والاستهلاك الناشيء من حالات الحسد والإسراف والتبذير كلّها تعدّ من مظاهر الحاجات النابعة من الأهواء الميول النفسانيّة.
وهذا النوع من الاستهلاك يعدّ في نظر الإسلام أمراً ذميماً ومرفوضاً وسيأتي تفصيل الكلام في هذا الموضوع في الأقسام الأخرى من هذا الكتاب [١].
الثاني: الحاجات الناشئة من الإعلانات الكاذبة
إنّ الاقتصاد الرأسمالي، وفي مقابل أصل زيادة الربح والنفع، وبمعونة أجهزة الإعلام الواسعة وأساليب الدعاية المتنوعة، يدعو الناس إلى زيادة الاستهلاك حتى بالنسبة لحاجاتهم الضروريّة في الحياة، وهؤلاء هيمنوا على ذهن وفكر المخاطبين إلى درجة أنّهم يخلقون في ذهن المخاطب حاجات موهومة لا يحتاج إليها المرء في واقع الحياة.
إنّ الإسلام يرفض بشدّة هذه الأساليب الإعلاميّة ويدعو لضبط وتعديل الميول والحاجات المشروعة لكي يحدّ من عمليّة الاستهلاك الفاحشة، لأنّ كلّ كذب وإظهار ما يخالف الواقع في مجال الدعايات ممنوع وحرام في نظر الإسلام ويعتبر نوعاً من التدليس والغش.
٣. ضبط الاستهلاك
وبديهي أنّه لو تقرر على أساس الثقافة الاقتصاديّة الرأسماليّة الدعوة إلى مزيد من الاستهلاك وفسح المجال لسيطرة الميول النفسانيّة للإنسان في واقع حياته، فإنّ الإنتاج الكلي لبلد من البلدان لا يستطيع الاستجابة لهذا الاشتهاء الكاذب حتى بالنسبة لطائفة معينة، فكيف الحال باشباع جميع ميول ورغبات أفراد المجتمع؟ وهنا من اللازم تقديم ضوابط لتحديد وهداية عمليّة الاستهلاك وإيجاد توازن وتعادل بين الإنتاج والاستهلاك.
وقد اهتمت الشريعة الإسلاميّة بهذا الموضوع أكثر من خلال وضع القوانين والأحكام الشرعيّة وتعيين المصارف المحرمة والمكروهة وتقوية الإيمان في قلوب الناس كيما يملكوا ضبط وهداية الاستهلاك من داخلهم.
ويجب على أولياء الأمور والمشتغلين في الشأن الثقافي اليوم أن يبيّنوا للناس الاسلوب الصحيح في الاستهلاك على أساس التعاليم الدينيّة بحيث تضحى هذه التعاليم ثقافة عامّة في فضاء المجتمع، وما يوجهه المجتمع الإسلامي اليوم من محنة ومشكلة لا تتلخص في قلّة المقررات الشرعيّة في باب ضبط وهداية الاستهلاك، بل من عدم إجراء هذه الأحكام من قِبل جمهور الناس والذي يؤدّي إلى خسائر كبيرة غير قابلة للتعويض تفرض على اقتصاد المجتمع الإسلامي.
إنّ دائرة المصروفات المحرمة والمكروهة في نظر الإسلام وتقديم بعض مراتب الاستهلاك على
[١]. انظر: بحث «اجتناب كلّ أنواع الإسراف» في هذا الكتاب.