موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٦ - العلاقة بين الإكتناز والزكاة
له أرض فليزرعها وإلّا فليؤدّها أخاه ...» [١].
وعلى أساس هذه السياسة الماليّة أوجب الإسلام الزكاة على النقدين (الذهب والفضة) في حال تجميدهما، وكذلك أوجب الزكاة على الإبل والبقرة المتروكة لمدّة سنة كاملة.
ومن هنا نرى أنّ وضع هذه الأحكام الاقتصاديّة، مضافاً إلى أنّه يعتبر تشويقاً على لزوم استثمار الأموال، فإنّه يبيّن أنّ الإسلام يخالف تجميد الإمكانات ورؤوس الأموال بأية صورة.
يقول الإمام الصادق عليه السلام في هذا المجال:
«إنّ من فناء الإسلام وفناء المسلمين أن تصير الأموال في أيدي من لايعرف فيها الحقّ ولايصنع فيها المعروف» [٢].
العلاقة بين الإكتناز والزكاة:
رأينا فيما سبق، أنّ المستفاد من ظاهر آية الإكتناز والروايات الناظرة لهذا المورد، أنّ خروج الأموال من عجلة الإنتاج والاستهلاك يعدّ في نظر الدين كفراناً بالنعم الإلهيّة وانحرافاً في استخدام المال، ويطلق عليه ب «إكتناز المال».
ولكن هل أنّ جمع الثروة وتجميدها فيما هو زائد عن حاجات المعيشة يعتبر من «الإكتناز» وبالتالي هو حرام، أو أنّ أحكام الإكتناز ناظرة إلى زمان قبل تشريع الزكاة وبعد تشريع الزكاة رفع هذا الحكم؟ أو أنّ المقصود من إكتناز المال ناظر إلى الأموال التي لم يدفع المالك زكاتها؟ وعلى هذا الأساس فكلما جمع الشخص مالًا بعد دفع زكاته فإنّه لا يعدّ «كنزاً» وإن أخرج المال بهذا العمل من دائرة الإنتاج والاستهلاك.
ثمة خلاف بين علماء الإسلام فيما يتصل بهذه المسألة ناشيء من اختلاف الروايات.
فقد ورد في الكثير من روايات أهل السنّة وكذلك على أساس خبر واحد أورده الشيخ الطوسي في الأمالي تصرّيح بهذا المعنى؛ أي أنّ كلّ مال دفع المكلّف زكاته فإنّ حفظ ما تبقى من المال وإدّخاره لا يعدّ «كنز» من ذلك:
١. ما ورد في صحيح البخاري عن عبداللَّه بن عمر في آية الكنز: «من كنزها فلم يُؤدّ زكاتها فويل له: إنّما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلمّا أنزلت جعلها اللَّه طُهراً للأموال» [٣].
وهذه الرواية تصرّح أنّ حكم الإكتناز كان قبل نزول آية الزكاة.
٢. ونقرأ في رواية أخرى عن ابن عباس: لما نزلت آية:
«وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ...»
، قال:
كبر ذلك على المسلمين فقالوا: يا نبي اللَّه إنّه كبر على أصحابك هذه الآية فقال:
«إنّ اللَّه لم يفرض الزكاة إلّا ليطيّب بها ما بقي من أموالكم وإنّما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم» [٤].
٣. ويروي الشيخ الطوسي أيضاً في الأمالي عن
[١]. انظر: كنز العمال، ج ١٥، ح ٤٢٠٥٣.
[٢]. الكافي، ج ٤، ص ٢٥، ح ١.
[٣]. صحيح البخاري، ج ٢، ص ١١١؛ سنن ابن ماجة، ج ١، ص ٥٧٠.
[٤]. سنن أبي داود، ج ١، ص ٣٧٥، ح ١٦٦٤.