موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٠ - ١ مبنى مالكيّة اللَّه
الحقيقيّة.
ومن خلال التدقيق في مفهوم الربّ في
«ربّ العالمين»
كما صرّح بذلك أرباب اللغة كابن فارس في المقاييس و الفيومى في المصباح المنير والجوهري في الصحاح في مفهوم المالك والمدبّر حيث يستفاد منه مفهوم الملكيّة [١].
إنّ مسألة مالكيّة اللَّه وعدم الأصالة لمالكيّة الإنسان فيما يتصل بأمواله يستفاد من آيات أخرى أيضاً من قبيل الآية الشريفة التي تقرر أنّ هذه الأموال إنّما هي فضل من قِبل اللَّه تعالى على الإنسان:
«... وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» [٢]
وكذلك الآية الشريفة التي تقرر أنّ الإنسان خليفة اللَّه في أمواله:
«وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ» [٣].
وهذا المعنى انعكس بشكل واضح في الروايات الإسلاميّة:
فنقرأ في رواية عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام أنّه صرّح فيها بأنّ اللَّه تعالى هو المالك الحقيقي لنفوس وأموال الناس، وما يعتبر من أموالهم إنّما هو بمثابة العارية والأمانة عندهم ومالكيتهم لها إنّما هي على سبيل المجاز البعيد عن الحقيقة:
«... إذ كان (اللَّه تعالى) المالك للنفوس والأموال وسائر الأشياء الملك الحقيقي وكان ما في أيدي الناس عواريّ وأنّهم مالكون مجازاً لا حقيقة له» [٤].
ومثل هذا التعبير ورد في رواية عن اويس القرني عن الإمام أميرمؤمنين عليه السلام ضمن وصاياه لولده الإمام الحسن عليه السلام:
«واعلم يا بنيّ أنّ الدنيا بحذافيرها فانية والأموال لأهلها عارية» [٥]
، وعلى هذا الأساس فإنّ مالكيّة البشر تقع في طول مالكيّة اللَّه، وقد فوّض الباري تعالى تمليكها إليهم، كما أنّ تفويض اللَّه تعالى لهم لا يعني سلب المالكيّة منه.
وفي حديث آخر عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله يؤكد أنّ مالكيّة الإنسان تقع في طول مالكيّة اللَّه تعالى وأنّ الناس إنّما يملكون الأشياء لأنّ اللَّه تعالى ملّكهم لها:
«إن اللَّه لايُطاع جبراً ولا يُعصى مغلوباً ... ولكنّه القادر على ما أقدرهم عليه والمالك لما ملّكهم إيّاه» [٦]
، وعلى هذا الأساس فإنّ مالكيّة الناس تقع في مرتبة بعديّة من مالكيّة اللَّه، لا أنّها في عرضها وافقها.
وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام يقرر في حقيقة العبودية في هذه الحقيقة، وهي أنّ الإنسان ينبغي أن لا يرى نفسه مالكاً فيما أنعم اللَّه عليه بل يرى أنّ ماله هو مال اللَّه وينفقه فيما أمره اللَّه تعالى:
«...
قلت: يا أباعبداللَّه ما حقيقة العبوديّة؟ قال: ثلاثة أشياء: أن لا يرى العبدُ لنفسه فيما خوّله اللَّه إليه مِلكاً، لأنّ العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال اللَّه، يضعونه حيث أمرهم اللَّه تعالى به ...» [٧].
[١]. انظر: مقاييس اللغة، مصباح المنير و صحاح اللغة، مادة ربّ.
[٢]. سورة النساء، الآية ٣٧.
[٣]. سورة الحديد، الآية ٧.
[٤]. مستدرك الوسائل، ج ٧، ص ٢٨٥؛ الحياة، ج ٣، ص ٦٨.
[٥]. درّ النظيم، ص ٣٧٦، مطبعة مؤسسة النشر الإسلامي، جماعةالمدرسين قم.
[٦]. كنز الفوائد، الكراجكي، المتوفي ٤٤٩ ه ق، ص ١٧١، قم، مكتبة المصطفوي.
[٧]. مشكاة الأنوار، ص ٣٢٧.