موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٧ - نقد وتحقيق
الممكن توزيع الثروة بشكل عادل بين الناس وإقامة العدل والقسط في ربوع المجتمع، بل إنّ قوى الثروة بنفوذها إلى أجهزة الحكم والتقنين تقوم كلّ يوم بسن قوانين بما يحقق لها مصالحها وزيادة هيمنتها واتساع دائرة عملها، وطبعاً فما يظهر للعيان أمام الناس، كثرة وزيادة العوائد الماليّة والعملة الصعبة واقتدار ونفوذ هذه البلدان على المستوى السياسي، ولكن هل أنّ هذه الدول عملت حقيقة بمسؤوليتها العالميّة أو رسالتها الداخلية وحققت شعاراتها البراقة؟ كلّا.
إنّ هؤلاء، ولغرض جمع الثروات، يتحركون دوماً على مستوى كبت كلّ صوت يطالب بالعدالة، وفي صورة الحاجة يقومون مع مساندة قوى الشرطة بسحق مطالب الفقراء وكبت الأصوات الداعية للعدالة وفي النهاية لا يفكرون إلّابترشيد وتقوية شركاتهم ومشاريعهم، لا بالناس ومصالح المجتمع.
إنّ هؤلاء يريدون الناس وكذلك المتخصصين والخبراء من أجل تفعيل مصانعهم وإنجاح شركاتهم لا من أجل القضاء على الحرمان والفقر وبالتالي لا يفكرون بالتنمية والرفاه العام، لأنّه مع رفع الحاجات الأولية للناس فإنّه ستظهر أمامهم حاجات جديدة، وهكذا تستمر عمليّة استغلالهم للناس بطرق جديدة وتعود حصة كبيرة من الأرباح إلى جيوبهم مرّة أخرى وتزداد وتتراكم ثرواتهم. على حساب مصالح الناس الذين يزدادون فقراً يوماً بعد آخر [١].
ومع أنّ برامج التنمية الاقتصاديّة بدأت منذ سنوات عدّة في البلدان الرأسماليّة وأعطت ثمارها ولكن مشكلة الفوارق الطبقية لم تحلّ لحد الآن، بل إزدادت الفاصلة بين الغني والفقر، والإحصاءات تؤيد هذه الحقيقة:
«على سبيل المثال، في أمريكا وفي عام ١٩٧٣ كان سهم خمس العائلات أدنى من جدول العائدات، ٥/ ٥ في المئة من جميع العوائد الماليّة، وسهم خمس واحد من العوائل أعلى من جميع العائدات ب ١/ ٤١ في المئة، وفي عام ١٩٩١ سهم خمس العوائل يصل إلى ٥/ ٤ والخمس الثاني إلى ٢/ ٤٤، وهذا التنزل في العوائد والسهام مستمر مع بعض التغييرات الطفيفة» [٢].
إنّ الإحصاء المذكور أعلاه يشير إلى أنّه كلما تقدّم الزمان أكثر، فإنّ توزيع العائدات الماليّة يتعرض للاهتزاز وعدم التوازن أكثر.
وطبقاً لاحصاء آخر بالرغم من أنّ ميزان الدخل القومي العام للفرد فيما بين سنوات ١٩٧٣- ١٩٩٤ في أمريكا إزداد إلى أكثر من الثلث، ولكن متوسط الدخل العام لم يكن لجميع الشاغلين والموظفين في مناصب الإدارة، يعني تمّ انخفاض الدخل لثلاثة أرباع القوى العاملة إلى ١٩ بالمئة [٣].
وكذلك تشير التقارير عن تمركز الثروة بيد فئة خاصّة في أمريكا وبعض البلدان الرأسماليّة.
وفي نتائج إحدى التحقيقات مجلة فوربس [٤] في عام ١٩٨٨ م عن ٤٠٠٠ نفر من أثرياء أمريكا كالتالي:
«إنّ ثروة كلّ واحد منهم بلغت أكثر من ٢٢٥ مليون دولار وتشير إلى أنّ ١٨٥ نفر من هؤلاء يملك على الأقل ٥٠٠ مليون دولار و ٥١ نفر يملكون على الأقل مليار دولار من الثروة» [٥].
[١]. يقول الكاتب والمحقق البارز وعالم الاقتصاد المعروف في العالم الإسلامي محمّد عمر جبرا في نقده للنظام الرأسمالي:
«إنّ المنتجين ولغرض الحصول على مزيد من الربح يقومون بعمليّة قصف إعلامي على المستهلكين بواسطة الإعلانات التجاريّة من أجهزة الإعلام، إنّهم يثيرون- سرّاً أو علانية- غريزة النفعيّة والأنانيّة وحبّ الاستهلاك والاهتمام بزخارف الحياة لدى المستهلك، هؤلاء يعملون بشكل يقود المستهلك إلى الاعتقاد بأنّ شخصيّته الاجتماعيّة تعتمد على زيادة عمليّة الشراء والاستهلاك ... ويؤكد غالبرايت بأنّ «جميع أشكال إقناع المستهلك تقوم على أساس إقناعه بأنّ الاستهلاك هو أكبر مصدر للسعادة وأعلى معيار للكمال البشري» الإسلام والأزمة الاقتصادية (اسلام و چالش اقتصادى) بالفارسيّة، ص ٧٨- ٧٩ بتلخيص). ومعلوم أنّه في أجواء الإعلانات التجارية الحامية وإيجاد حاجات كاذبة، سوق تعود أجور العمّال مرّة أخرى إلى جيوب أصحاب الشركات والمصانع المنتجة.
[٢]. انتصار الأسود، والدن بيو، ترجمة أحمد سيف و كاظم فرهادى، ص ٢٢٩.
[٣]. شراك العالميّة (دام جهانگرايى) بالفارسيّة، هانس پيتر مارتين، ترجمة عبدالحميد فريدي العراقي، ص ١٩٠.
[٤].
١. Forbes.
[٥]. مقدمة على المجتمع (درآمدى بر جامعه)، تأليف يان رابرتسون، ص ٢٢٥ و ٢٣٠ (طبقاً لنقل المعالم الكليّة للنظام الاقتصاد الإسلامي (ساختار كلان نظام اقتصادى اسلام) بالفارسيّة، ص ١٥٠).