موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٦ - سيادة الأخلاق في النظام الاقتصادي الإسلامي
هذا التحريم أنّ الربا يؤدّي إلى ضعف واهتزاز القيم الأخلاقيّة في المجتمع، يقول الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في فلسفة تحريم الربا:
«وعلّة تحريم الرّبا ...
لعلّة ذهاب المعروف، ... وتركهم القرض، والقرض صنائع المعروف» [١].
وفي رواية يقول الإمام الصادق عليه السلام:
«إنّما حرّم اللَّه الرّبا كيلا يمتنعوا من صنائع المعروف» [٢].
والنقطة الجدير بالذكر هنا أنّ الكثير من الروايات الإسلاميّة تؤكد على طلب الرزق الحلال، يعني الكسب المقترن مع مراعاة القيم الأخلاقيّة، سواء في المسائل الواجبة الإلزاميّة أو في المسائل المستحبة والمندوبة، وعلى سبيل المثال:
ينقل الإمام الكاظم عليه السلام عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«العبادة سبعون جزء، أفضلها جزءاً طلبُ الحلال» [٣].
وورد في وسائل الشيعة باب تحت عنوان «باب إستحباب الإجمال في طلب الرّزق، ووجوب الإقتصار على الحلال دون الحرام» وذكر فيه روايات عديدة ترتبط بهذه الموضوع [٤].
ونقرأ في رواية أخرى:
«إن اللَّه يحبّ أن يرى عبده تعباً في طلب الحلال» [٥].
إنّ مراعاة الأخلاق في المراحل المختلفة للانتاج والتوزيع مع رعاية الأحكام الخاصّة في باب التجارة ينتهي بالإنسان إلى تحصيل الرزق الحلال رغم أنّ رعاية الأخلاق المستحبة في التجارة غير الزاميّة، وعدم رعايتها لا يستوجب الحرمة، ولكن مراعاتها يترتب عليه بركات معنويّة [٦] وماديّة [٧] في حركة الحياة وترغيب الإسلام بهذه الأمور يعتبر امتيازاً آخر للاقتصاد الإسلامي بالنسبة للنظم الاقتصاديّة في عالمنا الحالي.
وبديهي أنّ ا لنظام الاقتصادي الذي يدعو أتباعه ويحثهم على طلب رزق الحلال فإنّ أتباع هذا النظام سيتجنبون الوقوع في ورطة النفعيّة والربح الأكثر مع التعب الأقل وتراكم الثروة حتى لو كانت على حساب مصالح الآخرين والإضرار بهم.
سيادة الأخلاق في النظام الاقتصادي الإسلامي:
وبعد بيان هذه المقدمات نصل إلى سيادة الأخلاق في النظام الاقتصادي الإسلامي ودورها في مجال الإنتاج والتوزيع (/ المعاملات) والاستهلاك:
[١]. وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٤٢٥، ح ١١.
[٢]. المصدر السابق، ص ٤٢٤، ح ٩.
[٣]. بحار الأنوار، ج ١٠٠، ص ١٨، ح ٨٠.
[٤]. وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٢٧ (باب ١٢ من أبواب مقدمات التجارة). وورد في كنز العمال (ج ٤، ص ٤) أيضاً باب تحت عنوان «في فضائل الكسب الحلال» روايات عديدة ترتبط هذا الموضوع أيضاً.
[٥]. كنز العمال، ج ٤، ص ٤، ح ٩٢٠٠ عن الإمام علي عليه السلام.
[٦]. مثلًا ورد في رواية في شأن قبول الإقالة عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «أيّما عبداً قال مسلماً في بيع أقاله اللَّه عثرته يوم القيامة». (وسائلالشيعة، ج ١٢، ص ٢٨٦، ح ٢).
[٧]. وعلسى سبيل المثال ونقرأ في رواية عن الإمام علي عليه السلام «كان علي عليه السلام يأتي السوق فيقول: ياأهل السوق اتقوا اللَّه، وإيّاكم والحلف، فإنّه ينفق السلعة ويمحق البركة». (انظر: بحار الأنوار، ج ١٠٠، ص ١٠٢، ح ٤٤).