موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٥ - ٤ الدواء والعلاج
وقد ورد في التعاليم الدينيّة لزوم الاجتناب عن الماء الملوث، بل ورد أنّ النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله نهى عن التبول إلى جانب الأنهار:
«كره البول على شطّ نهر جار» [١].
ومن الأمور المطلوبة والمؤثرة في سلامة المحيط و البيئة، الهواء السليم وغير الملوث.
وقد ورد في تعاليم أولياء الدين أنّ الهواء النظيف والسالم يعتبر شرطاً من شروط محلّ السكن الهنيء:
«لا تطيب السّكنى إلّابثلاث: الهواء الطيّب ...» [٢].
وعلى أية حال فممّا لا شك فيه أنّ من معالم التنمية، توفر البيئة النظيفة، فتكون المدينة والشوارع والأزقة نظيفة والهواء نقياً والطعام والماء سليماً وصحياً، لأنّ التنمية إذا أخذناها بالمفهوم العام فإنّه تستوعب مساحات الحياة المختلفة في جميع أبعادها، ولا شك أنّ الصحة والنظافة تعدّ من أركانها، وإذا كانت التنمية بمعناها الخاص، يعني التنمية الاقتصاديّة فلا شك أنّ المجتمع السليم، يستطيع أن يتحرك على مستوى الإنتاج أكثر وأفضل، لأنّ الأفراد من جهة يجدون في أنفسهم باعثاً على زيادة العمل ويتمتعون بمهارات وتخصصات أوفر، ومن جهة أخرى فإنّ النفقات الباهظة للعلاج والصحة والتي تستدعي الكثير من المال، ستقل كثيراً ولا تثقل على كاهل المجتمع، ومن هذه الجهة سيكون الاهتمام بالصحة والنظافة واقعاً في مسير التنمية الاقتصاديّة.
٤. الدواء والعلاج
إنّ المجتمع النامي المتطور، مضافاً إلى إمتلاك الصحة والنظافة المطلوبة، فإنّه يحتاج إلى الدواء والعلاج الكافي والجيد لكي يتمّ علاج المرضى والمصابين بيسر ودقّة ومن خلال أطباء حاذقين ومستشفيات مجهزة بما تحتاجه من أجهزة طبية متطورة.
ونقرأ في كلمات أولياء الدين أيضاً أنّ وجود الطبيب الحاذق ضروري لكلّ مجتمع، يقول: الإمام الصادق عليه السلام:
«لا يستغني أهل كلّ بلد عن ثلاثة يفزع إليه في أمر دنياهم وآخرتهم، فإن عدموا ذلك كانوا همجاً: فقيه عالم ورع، وأمير خيّر مطاع وطبيب بصير ثقة» [٣].
إنّ وجود الطبيب الماهر والحاذق إلى جانب الفقيه والورع والوالي الصالح والمقبول لدى الناس، يشير إلى أهميّة وجود الأطباء المتخصصين والحاذقين في هذا المجتمع.
وفي عصر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله كان النّبي يأمر باحضار الطبيب للأشخاص الذين أصابتهم جراحات بليغة، ومن ذلك ما ورد في الخبر أنّ شخصاً جرح في زمان النّبي؛ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«أدعوا له الطبيب»
، فقال بعضهم: هل هو بحاجة إلى الطبيب وهل أنّ الطبيب يستطيع عمل شيء له:
«هل يغنى عنه الطبيب؟»
، قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«نعم! إنّ اللَّه تبارك وتعالى لم ينزل داءً إلّا أنزل معه شفاء» [٤].
وهذا المقطع من تاريخ النّبي صلى الله عليه و آله يشير إلى وجود أطباء في المدينة أو ما حولها وكانوا يعملون على علاج المصابين، مضافاً إلى أنّ فحوى هذه الرواية تقرر أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لم يكن يرى ترك الأمر للقضاء والقدر بدون اللجوء إلى العلاج والدواء، بل كان يوصي الناس بالتحرك في المسار الطبيعي في معالجة هذه الأمور.
وفي الحقيقة أنّ هذا المضمون في الوراية يؤكد على اهتمام النّبي صلى الله عليه و آله بالطب والطبيب في ذلك المجتمع، وهذا يعني أنّ مسألة القضاء والقدر تعني أنّ الناس في مثل هذه الأمور يجب أن يتحركوا على مستوى الأخذ بالأسباب والمسببات الطبيعيّة.
ومن الأطبّاء المعروفين في عصر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله حارث بن كلدة، فقد ورد في التاريخ أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله جاء يوماً لعيادة سعد بن أبيوقاص وبما أنّه كان يشكون من مرض قلبي، فأمره النّبي صلى الله عليه و آله بالتوجه إلى حارث بن كلدة لأخذ العلاج اللازم [٥].
وفي هذا المجال فإنّ التعاليم الطبية الواردة من
[١]. وسائل الشيعة، ج ١، ص ٢٣٠، ح ٩.
[٢]. بحار الأنوار، ج ٧٥، ص ٢٣٤، ح ٤٦، عن الإمام الصادق عليه السلام.
[٣]. بحار الأنوار، ج ٧٥، ص ٢٣٥، ح ٥٩.
[٤]. المصنف ابن أبيشيبة، ج ٥، ص ٤٢١، ح ١. وورد مثلها في هذا الكتاب، ص ٤٢٢، ح ٧ أيضاً.
[٥]. انظر: معجم الكبير الطبراني، ج ٦، ص ٥٠؛ الجرح والتعديل ابن أبي حاتم الرازي، ج ٣، ص ٨٧؛ اسد الغابه، ج ١، ص ٣٢٢ والإصابة، ج ١، ص ٦٨٧ (ذكر في المعجم الكبير، سمّاه سعد بن أبي رافع ولكن ورد في أكثر الكتب باسم سعد بن أبيوقاص).