موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٧ - ٢ إهتزاز مباني الأخلاق
«إنّ السّرف يورث الفقر وإنّ القصد يورث الغنى» [١].
ونقرأ في رواية عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«ما عال من اقتصد» [٢].
ومن هذه الجهة يقول الإمام الصادق عليه السلام:
«ضمنت لمن اقتصد أن لا يفتقر» [٣].
وغني عن البيان أنّ الفقر ليس فقط ظاهرة ذميمة وسيئة بل يعتبر عاملًا لمفاسد أخلاقيّة أخرى من قبيل:
السرقة، الفحشاء، استعمال المخدرات وأنواع الأمراض الجسميّة والنفسيّة والتي تستدعي كلّ واحد منها نفقات ثقيلة تقع على عاتق المجتمعات البشريّة وتسلب من البشر استقرارهم وحياتهم الطيّبة.
٢. إهتزاز مباني الأخلاق
إنّ الهدف من المصرف والاستهلاك، إشباع حاجات وتأمين الظروف اللازمة لاستمرار الحياة، ولكنّ الإسراف والإكثار من الاستهلاك يترتب عليه آثار وإفرازات خطيرة جدّاً، التي تؤدّي إلى غربة الإنسان عن ذاته بما يصطلح عليه بكلمة (الاستلاب)، لأنّ طبيعة الإنسان لا ترتوي أبداً بالإسراف، لأنّ الوصول إلى إشباع كلّ حاجة يفتح أمام الإنسان باباً لحاجات أخرى، وكلّما يتحرك الإنسان لإشباع رغبة معينة، فسوف تتولد في نفسه رغبات أخرى أيضاً، ومن هذه الجهة فإنّ المنابع الطبيعيّة والإمكانات المتوفرة في الأرض محدودة وفي مقابل اشتهاء الإنسان الذي لا يعرف الحدود، فسوف يعيش الإنسان في حياته الفرديّة والاجتماعيّة اهتزاز القيم الأخلاقيّة وسحق الفضائل الإنسانيّة، ويؤدّي في المجالات الاجتماعيّة إلى زيادة الفاصلة والهوة بين طبقات المجتمع وزيادة حدة التنازع والتنافس والحروب وأشكال التضاد والاضطرابات أخرى.
ويستفاد من الروايات أنّ الإنسان المسرف باهداره لإمكاناته الماديّة يتحرك في مسار تعبر عنه الروايات بسنّة «الاستدراج» أي ينحرف تدريجيّاً عن الفضائل الإنسانيّة والقيم الأخلاقيّة والمعنويّة ويسقط في مآزق أخرى أشد وأدهى من الإسراف، ويصل إلى درجة أنّه يخلع عنه لباس الشرف الفضيلة ويفقد بذلك إنسانيّته وكرامته في واقع الحياة.
يقول الإمام علي عليه السلام في كلام عميق ودقيق في هذا الشأن:
«من لبس الكبر والسَّرَف خلع الفضلَ والشَّرف» [٤].
والنقطة المقابلة يقول عليه السلام:
«مِن أشرف الشّرف، الكفّ عن التبذير والسرف» [٥].
وجدير بالذكر أنّ الرواية السابقة تجعل «الكبر» و «الإسراف» في عرض واحد.
كذلك ورد عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله في وصف المسرفين والمترفين بأنّهم:
«... راكبون الشهوات» [٦].
ومعلوم أنّ الإنسان عندما يمتطي مركب الشهوات
[١]. الكافي، ج ٤، ص ٥٣، ح ٨.
[٢]. در المنثور، ج ٤، ص ١٧٨، ذيل الآية ٣٠ من سورة الإسراء.
[٣]. الخصال، ج ١، ص ٩؛ بحار الأنوار، ج ٧١، ص ٣٤٧.
[٤]. غرر الحكم، ح ٧١٦٦.
[٥]. غرر الحكم، ح ٨١٤٣.
[٦]. مكارم الأخلاق، ص ٤٤٩.