موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٣ - ه) الربح العادل
بذلك جماعة من الناس وهم الوسطاء دون أن يقدّموا عملًا إيجابياً ومنتجاً ويربحون بمجرّد كونهم واسطة، وهذا هو الشيء الذي ورد في الفقه بعنوان: «بيع الحاضر للبادي».
وذهب مشهور فقهاء مدرسة أهل البيت عليهم السلام إلى كراهة هذا العمل، وجماعة أخرى من كبار العلماء أفتوا بحرمته [١]، ومن بين فقهاء أهل السنّة أيضاً يعتقد جماعة منهم بالكراهة، وبعض آخر ذهب إلى الجواز، وطائفة ثالثة أفتوا بحرمته بشروط [٢] وقد ورد في رواية عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«لا يبيع حاضر لباد، والمسلمون يرزق اللَّه بعضهم من بعض» [٣].
وفي الحقيقة فإنّ حذف الواسطة أو على الأقل تقليل الوسائط يتسبب في ربح أكثر للمنتج القروي من جهة، ومن جهة أخرى تصل هذه المحصولات بقيمة أقل ليد المستهلكين.
وفي رواية عن يونس (يونس بن عبدالرّحمن وهو من أصحاب الإمام الكاظم والإمام الرضا عليهما السلام البارزين) في تفسير كلام النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله:
«لا يبيعنّ حاضر لباد»
قال عليه السلام:
«إنّ الفواكه وجميع الغلّات إذا حملت من القُرى إلى السّوق فلا يجوز أن يبيع أهل السّوق لهم من النّاس، ينبغي أن يبيعه حاملوه من القرى والسّواد، فأمّا من يحمل من مدينة إلى مدينة فإنّه يجوز، ويجري مجرى التّجارة» [٤].
وجاء في مصادر أهل السنّة أيضاً أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«لا يبيع حاضر لباد، دعوا النّاس، يرزق اللَّه بعضهم من بعض» [٥].
وورد في المغني لابن قدامة في شرح هذا الحديث:
«متى ترك البدوي يبيع سلعته إشتراها النّاس برُخَص ويسع عليهم السّعر؛ فإذا تولّى الحاضر بيعها وامتنع من بيعها إلّابسعر البلد ضاق على أهل البلد» [٦].
وطبعاً ينبغي الالتفات هنا إلى أنّ عمل الواسطة له أنواع وأقسام مختلفة، ودور الوسائط بوصفهم مشترين وامناء وحقّ العمل مختلف، ولكنه في جميع الموارد ينتهي بضرر البائع الأصل والمنتج وكذلك المستهلك.
ه) الربح العادل
إنّ اقتران المسائل الأخلاقيّة بمسألة الربح في المعاملة أمر مشهود تماماً في الإسلام، وفي رواية مشهورة عن أميرالمؤمنين علي عليه السلام يبيّن فيها أبعاد هذه المسأله بشكل إجمالي، وأنّ الربح الناشيء من المعاملة يجب أن يكون بشكل لا يلحق الضرر بالمنتج والبائع ولا بالمستهلك، يعني لزوم رعاية العدالة في هذا المجال، يقول الإمام علي عليه السلام في عهده لمالك الأشتر:
«وليكن البيع بيعاً سمحاً بموازين عدل وأسعار لا تُجحف بالفريقين من البايع والمبتاع» [٧].
وهذا على خلاف ما هو متداول في عالمنا اليوم، فالبائعون يصرّون على رفع أسعار بضاعتهم ما أمكنهم ذلك، وخاصّة في مسألة المنتوجات الصناعيّة الجديدة التي لا تعرفها شعوب العالم الثالث، ولهذا السبب فإنّ الفاصلة الاقتصاديّة بين البلدان الرأسماليّة والصناعيّة مع البلدان العالم الثالث تزداد يوماً بعد آخر [٨].
واللافت أنّ الإسلام يوصي بأن يأخذ الباعة بنظر الاعتبار مقدار جاحتهم المعيشية في واقع الحياة وفي معاملاتهم وربحهم من البضاعة، بل ورد في روايات عدّة أنّ الربح الأكثر يعتبر من الربا، كما ورد في حديث النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله:
«ربح المؤمن على المؤمن ربا» [٩]
(وطبعاً فالمراد هنا الربح أكثر من نفقات الحياة).
وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام قال:
«ربح المؤمن على المؤمن ربا إلّاأن يشتري بأكثر من مائة درهم، فاربح عليه قوت يومك أو يشتريه للتجارة
[١]. انظر: جواهر الكلام، ج ٢٢، ص ٤٦١.
[٢]. انظر: المغني لابن قدامة، ج ٤، ص ٢٨٠.
[٣]. وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٣٢٧، ح ١.
[٤]. المصدر السابق، ح ٣.
[٥]. سنن النسائي، ج ٧، ص ٢٥٦. وورد بهذا المضمون وفي الصفحة المذكورة أحاديث عديدة.
[٦]. المغني لابن قدامة، ج ٤، ص ٢٧٩.
[٧]. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
[٨]. في حين أنّ نصف سكان العالم يحصلون على أقل من ١٠ بالمئة من العوائد المالية في العالم يحصل سكان البلدان الثريّة- الذي يبلغ عددهم ٢٥ بالمئة من سكان العالم- على ثلاثة أرباع العوائد المالية في العالم.
وطبقاً لدراسات البنك العالمي فإنّ المنتوج القومي الخام لكل شخص في ١٩ بلد من البلدان الصناعيّة في عام ١٩٨٠ بلغ أكثر من ٦٦٥٨ دولاراً، في حين أن متوسط المنتوج القومي للفرد في ٦٣ بلداً بلغ ٩٠٣ دولار تقريباً، وفي ٣٢ بلد من البلدان الفقيرة بلغ ١٦٨ دولار وعلى ضوء ذلك تبلغ الفاصل الموجود بين دخل الفرد في البلدان المتقدمة والفرد في البلدان الفقيرة ٤٠ ضعفاً.
(انظر: السياسة الاجتماعيّة في البلدان الناميّة (سياست اجتماعى در كشورهاى در حال توسعه) بالفارسيّة، تأليف آرتور آ. ليوينگستون، ترجمة الدكتر حسين العظيمي، ص ٨٤ و ١٨٤).
[٩]. بحار الأنوار، ج ١٠٠، ص ١٠٣، ح ٤٨.