موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٢ - ب) الاعتقاد بالحساب يوم القيامة
وسلطان استطاع أن يسلب مقاليد السلطنة من غيره ونقلها إلى ذريّته وكان مع ذلك من أهل الترف والبذخ؟» [١].
ومعلوم أنّ الجهاد وكلمة الحقّ في جميع الظروف تتقاطع مع حالات الترف والرفاهية، ومن هذه الجهة ونرى أنّ بعض الناس يتوجهون نحو حياة الزهد ويقنعون بالقليل من الدنيا ليضمنوا لهم راحة نفسيّة وطمأنينة القلب وحرية الروح، ولئلا تعيقهم هذه الملذات الماديّة عن نيل المقاصد العالية في حركة الحياة.
يقول الإمام علي عليه السلام:
«لا تجتمع عَزيمة ووَليمة» [٢].
وقد ورد في الحديث الشريف عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في بيان آثار الزهد ومعطياته:
«الزُّهْدُ فِي الدُّنْيا يُريحُ القَلْبَ وَالبَدَنَ ...» [٣]
، وهذا الحديث يبيّن هذه الحقيقة القيمة، وهي أنّ الإنسان إذا اعتاد على القليل من الأمور الدنيويّة وتطبعت عليه روحه وجسمه، فإنّه يعيش بعيداً عن حالات الحرص والحسد بالنسبة لأموال الآخرين ولا يتكالب على زخارف الدنيا ومعيشة البذخ والترف، فلا يحسد الآخرين على ما يملكونه من مال وثروة ولا يخطط ليجمع المال والثروة ولا يهتم ويغتم لعدم نيلها وتحصيلها، أمّا بدنه فقد اعتاد على الطعام البسيط وقلّة المؤنة، ومن هذه الجهة فإنّه يواجه الظروف الصعبة في الحياة بسبب بعض الحوادث الطبيعيّة أحياناً أو بعض الظروف الإجباريّة، بصبر ومتانة ويتحمل صعوبات الحياة وشظف المعيشة بكلّ راحة وسعة صدر، بينما يعيش الآخرون حالات القلق والحزن لعدم توفر ما يطمعون ا ليه من ماديات الحياة والمعيشة المرفهة والأطمعة اللذيذة، فأبدانهم لم تتعود على مواجهة المشاكل ولم تتعود نفوسهم على الصبر والاستقامة في مواجهة التحديات الصعبة، أمّا الزاهد فيعيش حياته البسيطة بعيداً عن أشكال الحزن والقلق، لأنّ بدنه اعتاد على الحياة في مثل هذه الظروف.
ب) الاعتقاد بالحساب يوم القيامة
رغم أنّ اللَّه تعالى خلق عالم الوجود ومواهب الطبيعة للمؤمنين كما ورد في القرآن الكريم:
«قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [٤]
، فيستطيع المؤمنون التنعم بهذه المواهب الإلهيّة في عالم الطبيعة، ولكن بما أنّ جميع هذه الموارد والنعم سيحاسب عليها الإنسان يوم القيامة في كيفيّة جمعها وإنفاقها، فمن هذه الجهة فإنّ الزاهد يسعى للتقليل من الاستفادة منها في الدنيا ليضمن له اليُسر في الحساب يوم القيامة ويتحرك على مستوى إيصال هذه النعم إلى الآخرين وإنفاقها في سبيل اللَّه تعالى.
وقد ورد في رواية معروفة عن الإمام علي عليه السلام أنّه
[١]. سياحة في نهج البلاغة (سيرى در نهج البلاغة بالفارسيّة، ص ٢٢٩.
[٢]. نهج البلاغة، الخطبة ٢٤١.
[٣]. نهج الفصاحة، ح ٨٦.
[٤]. سورة الأعراف، الآية ٣٢.