موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٨ - البحث الخامس طرق مكافحة الفقر
فالمجتمع الفقير مضافاً إلى تلوثه بأنواع الذنوب والمفاسد الأخلاقيّة فإنّه يجد نفسه مضطراً للارتباط والتبعية للآخرين، ونتيجة هذه التبعيّة تظهر في المجالات الاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة، وبعبارة أخرى ستكون البلاد عملًا مستعمرة سياسية وثقافية للبلد المتبوع وتدريجيّاً سيفقد هذا المجتمع وهذا البلد هويته الأصليّة.
إنّ حالة التدين بمعناه الحقيقي سيكون مشكلًا جدّاً في مثل هذا المجتمع حيث تتحلل تدريجيّاً عزّته وشخصيته واستقلاله.
والهدف من التأكيد على مفاسد الفقر أن لا يقبل بعض الأشخاص بما ورد في ظاهر بعض الروايات في مدح الفقر وبالتالي يعملون على جر المجتمع الإسلامي إلى هذه الحالة، وهذا خطر كبير نأمل أن تكون البلدان الإسلاميّة في عصرنا الحاضر مصونة عن هذه الآفة.
وخاصّة يجب الانتباه إلى فخاخ العدو ومصائده، العدو يسعي بأنواع الحيل أن يجر المجتمعات الإسلاميّة إلى منزلقات الفقر والتبعية، ومن خلال ترغيبها بالمزيد من الاستهلاك والاهتمام بالحياة التجملية وإبقائها في التخلف العلمي والمعرفي وإيجاد مرض عدم اعتبار الذات واحتقارها ويجسد مخططه المشؤوم في واقع حياة المسلمين.
وننهي هذا البحث بدعاء من الإمام زينالعابدين عليه السلام، الذي يشير فيه إلى هذه الحقيقة في دعاء النوافل من يوم الجمعة يقول:
«اللَّهم إنّي أسئلك خيرَ المعيشة، معيشةً أقوى بها على طاعتك، وأبلغ بها جميع حاجاتي، وأتوصّل بها إليك في الحياة الدّنيا وفي الآخرة، من غير أن تترفني فيها فأطغى، أو تقترها عليَّ فأشقى» [١].
ونقرأ في دعاء مماثل للإمام الباقر عليه السلام:
«أسألك اللّهم الرّفاهية في معيشتي أبداً ما أبقيتني، معيشةً أقوى بها على طاعتك، وأبلغ بها رضوانك ...
وارزقني رزقاً حلالًا يكفيني، ولا ترزقني رزقاً يطغيني، ولا تبتلني بفقر أشقى به» [٢].
ونعلم أنّ مفهوم الدعاء لا يعني ترك العمل والسعي والجهاد في حركة الحياة والمجتمع ثمّ نطلب هذه الأمور من اللَّه، بل إنّ الدعاء يعلمنا الاهتمام بالعمل والسعي أكثر، وما هو خارج عن قدرتنا وإرادتنا نسأل اللَّه تعالى إنجازه لنا، وهذا يمثّل شرط قبول هذه الأدعية وفقاً لما ورد في الروايات الشريفة.
البحث الخامس: طرق مكافحة الفقر
تحدّثنا في البحوث السابقة عن عوامل وجذور الفقر واستعرضنا بشكل إجمالي طرق مواجهة الفقر في مطاوي هذا البحث، ولكن نظراً لأهمية هذا الموضوع الكبيرة نرى من اللازم أن نفرد له بحثاً مستقلًا يتناول هذا الموضوع.
[١]. بحار الأنوار، ج ٨٧، ص ١٢.
[٢]. المصدر السابق، ج ٩٤، ص ٣٧٩.