موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٠ - أ) اجتناب النفقات المضرّة
المجتمع لأنّ الفقر سبب للمخالفات الأخلاقيّة الكثيرة.
والشاهد على هذا الكلام ما ورد في حديث أميرالمؤمنين علي عليه السلام أنّه قال:
«إذا بخل الغنيّ بمعروفه، باع الفقير آخرته بدنياه» [١].
٣. دور المواساة في البرامج الاقتصاديّة
إنّ كلمة «مواساة» لا محل لها من الإعراب في الاقتصاد المادي بالعالم الحديث، بل أحياناً تكون مورد الاستهزاء والسخريّة وأنّه كيف يمكن توصية الناس بأن يجعلوا الآخرين شركاء في أموالهم ويجلسوهم على موائدهم؟
في حين أنّ المواساة تعتبر من أهم المسائل الأخلاقيّة في الاقتصادي الإسلامي، ويعتبرها الإسلام علامة الإخوة والمودة.
إنّ الإسلام ليس فقط يذم البخل بل يوصي المسلمين أن يتحركوا في علاقاتهم من موقع المساواة في الأموال، يعني أن الشخص المقتدر يعتبر الأشخاص المحتاجين شركاء في ماله ولا يغفل عن الاهتمام بأمورهم ويدعوهم للجلوس على مائدته ويشاركونه في النعم والمواهب التي رزقها اللَّه إيّاه بشكل واسع.
ويقرر الإمام الصادق عليه السلام أنّ المواساة للمحتاجين والمحرومين تعتبر من حقوق المسلم على أخيه:
«والمواساة لأهل الحاجة» [٢]
، ويعتبرها النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله علامة المؤمن الحقيقي:
«من واسى الفقير من ماله وأنصف النّاس من نفسه فذلك المؤمن حقّاً» [٣]
، ويعدّها أميرالمؤمنين علي عليه السلام من أكثر العلامات تأثير وحفظاً للُاخوة والمودة بين المسلمين:
«ما حُفظت الاخوّة بمثل المواساة» [٤].
ونقرأ ما ورد عن الإمام الكاظم عليه السلام في مقام جوابه عن سؤال رجل يدعى عاصم في هذا الشأن فأجابه الإمام عليه السلام بقول:
«يا عاصم كيف أنتم في التّواصل والتّواسي؟
قال عاصم:
«على أفضل ما كان عليه أحد»
. قال عليه السلام:
«أيأتي أحدكم إلى دكّان أخيه أو منزله عند الضائقة فيستخرج كيسه ويأخذ ما يحتاج إليه فلا ينكر عليه؟»
قال: لا، قال
«فلستم على ما احبّ في التّواصل» [٥].
٤. النفقات الممنوعة
ثمة قوانين في العالم الحالي، وإن كانت أخلاقيّة تقريباً، حاكمة ومهيمنة على الإنتاج، يعني أنّ المنتجين يعيشون بعض المحدوديات من جهة المحصولات والمنتجات وكميتها وكيفيتها ولكنّهم في مصارف الأموال الشخصيّة أحرار تماماً إلى درجة أنّهم أحياناً ينفقون أموالهم في موارد لا تتفق مع أي منطق، ولا أحد يمنع من ذلك، مثلًا نرى أنّ قسماً مهماً من ثرواتهم يوصون بها للحيوانات، وبعد موتهم تكون حيواناتهم مالكة لثروات عظيمة، وأعمال أخرى من هذا القبيل، في حين أنّ الإسلام، كما يشرف ويراقب عمليّة الإنتاج، فإنّه يراقب أيضاً عمليّة الاستهلاك ويقرر سيادة الأخلاق في كلا الموردين بشكل متساوٍ وقد وردت التوصيات الأكيدة في تعاليم الإسلام في هذا الشأن منها:
أ) اجتناب النفقات المضرّة
إنّ المستهلك في نظر الإسلام وإن كان قد حصل على أمواله عن طريق مشروع وقانوني إلّاأنّه لا يستطيع الاستفادة منها في موارد مضرّة.
وقد ورد التصريح بهذا المعنى في الروايات الشريفة أنّ استهلاك الأمور المضرّة يعدّ من مصاديق الإسراف الممنوع والمحرم.
يقول الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام:
«... إنّما الإسراف فيما أتلف المال وأضرّ بالبدن» [٦].
وهكذا ما ورد في الرواية المعروفة في تحفالعقول عن الإمام الصادق عليه السلام قال:
«وكلّ شيء تكون فيه المضرّة على الإنسان في بدنه فحرام أكله» [٧].
[١]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة ٣٧٢.
[٢]. الكافي، ج ٢، ص ١٧٥، ح ٤.
[٣]. المصدر السابق، ص ١٤٧، ح ١٧.
[٤]. غرر الحكم، ح ٩٥٢٦.
[٥]. بحار الأنوار، ج ٧١، ص ٢٣١ و ٢٣٢.
[٦]. مكارم الأخلاق، ص ٥٧.
[٧]. تحف العقول، ص ٣٣٧.