موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧ - ٣ ترجيح الدنيا على الآخرة
الأكرم صلى الله عليه و آله، حيث جاءت جماعة إلى رسول اللَّه وكان هناك شاب يعمل على الكسب، فقال بعض هؤلاء الصحابة مشيراً إلى هذا الشاب: ليت أنّ هذا الشاب صرف قواه في سبيل اللَّه، فلما سمع النّبي صلى الله عليه و آله هذا الكلا قال:
«إن كان يسعى على ولده صغاراً، فهو في سبيل اللَّه، وإن كان خرج على أبوين شيخين كبيرين، ففي سبيل اللَّه، وإن كان خرج يسعى على نفسه ليعفّها، ففي سبيل اللَّه، وإن كان خرج يسعى على أهله، ففي سبيل اللَّه، وإن خرج يسعى تفاخراً وتكاثراً ففي سبيل الطاغوت» [١].
أدلة ذم الدنيا والمظاهر الماديّة:
مع الالتفات إلى ما تقدّم بيانه، يمكن فهم السبب الأصلي لذم الدنيا من خلال ما نستوحيه من الآيات القرآنية والنصوص الواردة في مدح الدنيا وذمها، وتتلخص في ثلاثة أمور:
١. التعلق القلبي
تقدّم أنّ الشريعة الإسلاميّة لا تعتبر أصل المال والثروة أمراً ذميماً وسلبياً، بل إنّ التعلق بالدنيا ومظاهرها وزخارفها هو المذموم، ونقرأ في القرآن الكريم قوله:
«فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً» [٢].
والتعبير ب
«فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا»
أو
«فَرِحَ بِهَا»
الوارد في سورة الشورى [٣]، لا يقتصر على معنى الفرح الساذج فقط، بل المراد التعلق القلبي بالدنيا وحالة الغرور التي يعيشها هذا الإنسان بسبب ما يملكه من الأمور الماديّة والدنيويّة.
٢. نسيان اللَّه
إذا أدّى حب المال والثروة إلى مزيد من العلاقة الشديد بالدنيا والتشبث بالماديات بحيث ينسى هذا الإنسان الباري تعالى، فمثل هذا المال والثروة سيقع مذموماً، وينبغي الحذر منه، ونقرأ في القرآن الكريم قوله:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَاتُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ» [٤].
وجدير بالذكر أنّ التحذيرات القرآنية في مورد علاقة الإنسان بزوجته وأبناءه وحياته لا تعني قطع الروابط العاطفية في أجواء الاسرة أو عدم الارتباط معهم برابطة العواطف الإنسانيّة، بل المراد أنّ الإنسان لا ينبغي أن يعيش العشق لزوجته وأبناءه والحب للمال والمقام بحيث يؤدّي ذلك إلى وقوعه في دائرة نسيان اللَّه وبالتالي يتحرك الإنسان في مسيرته بعيداً عن دائرة العبودية والإطاعة للَّهتعالى.
ويقول القرآن الكريم مشيراً إلى هذه النقطة:
«قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَايَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ» [٥].
٣. ترجيح الدنيا على الآخرة
نستوحي من الآيات القرآنية أنّ أحد الجهات الذميمة للمال في نظر الدين تعود إلى هذه الحقيقة، وهى أنّ الإنسان عندما يجد نفسه على مفترق طريقين: الدنيا والآخرة، فإنّه يختار الدنيا على حساب الآخرة ويغفل عن مقتضيات الحياة الاخروية.
والقرآن الكريم يشير إلى هذه النقطة في آيات عدّة، ومنها ما ورد في سورة النحل فيما يتصل بالأشخاص الذين آمنوا ولكنّهم بعد إيمانهم ارتدوا عن الدين وسلكوا طريق الكفر والارتداد، تقول الآية:
«ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ» [٦].
ونقرأ في سورة التوبة، أنّ اللَّه تعالى ذمّ تلك الفئة من المسلمين الذين تخاذلوا عن التوجه إلى ميدان الجهاد والقتال في غزوة تبوك وقال:
«أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا
[١]. المعجم الصغير، ج ٢، ص ٦٠.
[٢]. سورة الأنعام، الآية ٤٤.
[٣]. سورة الشورى، الآية ٤٨: «وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَبِهَا».
[٤]. سورة المنافقون، الآية ٩.
[٥]. سورة التوبة، الآية ٢٤.
[٦]. سورة النحل، الآية ١٠٧.