موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٥ - ٣ قبول الإقالة
قال بالتفصيل، ففي بعض الموارد يكون حراماً وفي بعض الآخر يكون مكروهاً، وسيأتي شرح هذه المسألة في البحوث الفقهيّة اللاحقة.
قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«لا يبيع بعضكم على بيع بعض» [١].
ويروي الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه أنّه:
«نهى رسول اللَّه أن يدخل الرّجل في سوم أخيه المسلم» [٢].
هذا في حين أنّ العالم المادي اليوم ليس فقط يبيح الدخول في معاملات الآخرين وخاصّة المعاملات الكبيرة، بل يسعى بشتى الحيل وباعطاء امتيازات كبيرة لاختطاف المعاملات من الآخرين ويعتبر ذلك نوعاً من الذكاء في المسائل الاقتصاديّة، وأحياناً تقوم شركة ببذل جهد كبير لإنجاز معاملة اقتصاديّة وتستغرق عدّة شهور من العمل والمناقشات، وفجأة يصل المنافس ويختطف هذه المعاملة لصالحه وبالتالي تواجه تلك الشركة أنواعاً من الضرر والخسارة.
الشكل الآخر من الدخول في المعاملة الآخرين يسمى «نَجْش».
و «نَجْش» في اللغة يقصد منه دفع الصيد من مكان إلى مكان آخر (لغرص صيده من قِبل الصياد) [٣]، وفي اصطلاح الفقهاء يطلق على شخص الذي يدخل إلى معاملة بدون قصد الشراء ويقترح قيمة أعلى لخداع المشتري وإجباره على الشراء بسعر أعلى، سواء كان قد اتّفق مع البائع أو لم يتفق [٤].
وحرمة هذا العمل في الجملة مورد اتّفاق فقهاء أهل البيت عليهم السلام وأهل السنّة، ولكن فيما يتصل بأقسام وشروط الحرمة ووجود خيار الفسخ للمشتري فثمة كلام وخلاف بين الفقهاء [٥].
وقد ذكر الفريقان روايات فيما يتصل بهذه المسألة ومنها أنّ الإمام الصادق عليه السلام قال:
«قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله الواشمة والمتوشمة والناجش والمنجوش ملعونون على لسان محمّد صلى الله عليه و آله» [٦].
وفي رواية أخرى قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«لا تناجشوا ولا يبع المرء على بيع أخيه» [٧]
، (أي أن يقوم المرىء باخراج المعاملة من يد البائع ويدخل في معاملة مع المشتري).
ومن المعلوم أنّ هذه الأمور غير الأخلاقيّة تتسبب في زيادة القيمة والعداوة والحقد، وأحياناً تنتهي إلى النزاع بين الأفراد أو الحكومات، والإسلام يرفض هذا السلوك بشكل كامل.
وطبعاً فإنّ المزايدة أو المناقصة في المعاملات والتي تجرى بشكل مفتوح وفي الفضاء العام والعلني والمنافسة البنّاءة تختلف كثيراً عن المسألة مورد البحث بشرط أن تقام المزايدة أو المناقصة بصورة سليمة لا ما نجده متداولًا اليوم من جهة وجود تباني خلف الستار في هذه المزايدات والمناقصات ووجود حالات الخداع والغش فيها.
٣. قبول الإقالة
إذا دخل شخص مع آخر في معاملة ثمّ ندم على ذلك، فقد أوصى الإسلام بقبول قوله وفسخ المعاملة.
وجاء في رواية:
«إنّ رسول اللَّه لم يأذن لحكيم بن حزام في تجارته حتّى ضمن له إقالة النّادم ...» [٨].
وكذلك ورد في الحديث الشريف عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«من أقال نادماً بيعته أقال اللَّه عثرته يوم القيامة» [٩].
وينبغي الالتفات إلى أنّ هذا الكلام في صورة أن تكون المعاملة إلزاميّة وبدون توافق الطرفين لا يقع الفسخ وأساساً أنّ كلّ شكل من العفو والمرونة وعدم التشدد في التجارة والبيع والشراء مورد رضا الإسلام، بمعنى أنّ الإنسان لا ينبغي أن يكون متشدداً في المعاملة وبل يتعامل بحالة من الحلم والمرونة ولا يخلق مشكلة في مسائل جزئية ولغرض كسب ربح أكثر.
[١]. صحيح البخاري، ج ٣، ص ٢٨.
[٢]. وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٣٣٨، ح ٣.
[٣]. النهاية لابن الأثير، مادة «نجش».
[٤]. المكاسب المحرمة، الشيخ الأنصاري، ج ٢، ص ٦٣ و المجموع النووي، ج ١٣، ص ١٤- ١٥.
[٥]. المجموع، النووي،، ج ١٣، ص ١٤- ١٥؛ جواهر الكلام، ج ٢٢، ص ٤٧٧.
[٦]. وسائلالشيعة، ج ١٢، ص ٣٣٧، ح ٢.
[٧]. صحيح مسلم، ج ٤، ص ١٣٨.
[٨]. صحيح مسلم، ج ٤، ص ٢٨٦، ح ١.
[٩]. صحيح ابن حبان، ج ١١، ص ٤٠٤، باب الإقالة.