موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩١ - ٦ العزم الوطني والإرادة العامّة
وينال كلّ واحد منهم حياة مرفهة كما هو حال المرفهين في الغرب، ومفهوم هذا الكلام أنّ التوجه إلى مثل هذه الحياة المترفة يؤدّي قطعاً إلى حرمان شرائح أخرى من المجتمع.
وعلى هذا الأساس فإنّ المعيشة البسيطة والابتعاد عن طلب التجملات في الحياة يتسبب في أن يعيش جميع أفراد المجتمع حياة كريمة وسليمة، وهذا ما هو ورد التأكيد عليه في الآيات والروايات الشريفة في مقولة الزهد الإسلامي.
يقول الإمام علي عليه السلام بعد أن يقرر أنّ اللَّه تعالى وضع في أموال الأغنياء ما يحتاجه الفقراء:
«فما جاع فقير إلّابما مُتّع به غنيّ» [١].
٥. دمج الأخلاق بالاقتصاد
إنّ الاقتصاد العالمي في هذا الزمان أجنبي عن القيم الأخلاقيّة حيث يدور فقط حول محور الربح الأكثر والتعب الأقل، وربّما نرى أنّ بعض الدول تضع القوانين التي تصطبغ بصبغة أخلاقيّة لحفظ النظم الاجتماعية في ذلك البلد، ولكن مسألة مكافحة الفقر لا تقع مورد اهتمامهم إلّافي صورة أن تؤدّي إلى الانفجار الاجتماعي، أمّا في الإسلام فإنّ المسائل الأخلاقيّة تندمج مع المسائل ا لاقتصادية في تشكيلة منسجمة، وأحد عوامل مكافجة الفقر يكمن في هذه النقطة بالذت، فجميع النشاطات الاقتصاديّة التي تعود بالضرر على المجتمع أو على طبقة خاصّة من الناس فإنّها ممنوعة في نظر الإسلام، فالاحتكار وإدّخار المواد الأولية فيما يحتاجه الناس لغرض كسب ربح أكثر، محرم في الإسلام، وقد وردت التوصية بالنسبة لبعض البضائع أن يقنع البائع بالحد الأدنى من الربح بما يؤمن له حياته ومعيشته، وبالتالي يمنع من إيجاد السوق السوداء وتورم الأسعار.
ونقرأ في آيات وروايات كثيرة التأكيد على مواساة الفقراء وأحياناً التوصية بالإيثار وفي موارد كثيرة التوصية للأشخاص المتمولين بالإنفاق، وكلّ هذه الأمور لها تأثير كبير في مكافحة الفقر والتقليل من هذه الظاهرة المخربة، فمكافحة الإسراف والتبذير وإكتناز الثروة واخراج رؤوس الأموال من دائرة النشاطات الاقتصاديّة تعدّ من العوامل المؤثرة الأخرى في هذا المجال والتي لا أثر لها في الاقتصاد المادي للعالم المعاصر.
وثمة آيات وروايات كثيرة فيما يتصل بما ذكر أعلاه في المصادر الإسلاميّة وسوف يأتي البحث فيها في فصل «سيادة الأخلاق على النظام الاقتصادي الإسلامي».
٦. العزم الوطني والإرادة العامّة
إنّ التصدي لظاهرة الفقر ليست شيئاً يمكن مواجهته فقط بواسطة الحكومة أو من خلال وضع قوانين خاصّة، وبالرغم من أنّ دور الحكومة والقوانين المعيقة لا يمكن إنكاره، ولكن العامل الأكثر تأثيراً في هذا الأمر الإرادة العامّة في المجتمع بحيث يعيش
[١]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة ٣٢٨.