موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٦ - استخدامات مفردة الفقر
المجتمع، وقد ورد في رواية سفيان الثوري أنّه دخل على الإمام الصادق عليه السلام وعليه ثيابٌ جياد فقال: ياأبا عبداللَّه! إنّ آباءك لم يكونوا يلبسون مثل هذه الثياب، فقال له:
«إنّ آبائي كانوا يلبسون ذلك في زمان مقفر مقصر، وهذا زمان قد أرخت الدنيا عزاليها فأحقّ أهلها بها أبرارها» [١].
والنتيجة: أنّ كلّ شخص لا يملك من الإمكانات الضرورية في زمانه ومكانه وأمثال ذلك ولا يكون مستوى معيشته متناسباً مع ظروف زمانه يحسب فقيراً.
استخدامات مفردة الفقر:
في هذه المقدّمة من اللازم الإشارة إلى نقطة أخرى، وهي أنّه بالرغم من أنّ الفقر في مقابل الغنى في المسائل الاقتصاديّة لا يملك إلّامعنى واحداً، ولكن بما أنّ هذا المصطلح يستخدم في موارد أخرى أيضاً، فمن اللازم الإشارة إلى تلك الموارد ليتبيّن الفرق بينها وبين الفقر والغنى في الدائرة الاقتصاديّة.
١. الفقر الذاتي [٢]: وهذا المعنى للفقر يتعلق بكلّ ممكن الوجود، الذي يعيش الحاجة والفقر في ذاته ولا يختص بالإنسان، وبما أنّ جميع الممكنات محتاجة إلى الخالق جلّ وعلا والذي هو الغني المطلق ولا يحتاج في ذاته ووجوده وصفاته للآخرين، فإنّ كلّ ما سوى اللَّه تعالى فقير له ومحتاج إليه وهو الغني الحميد:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ» [٣].
٢. الفقر الثقافي: هذا المصطلح يستخدم كثيراً في هذا الزمان، ويعني قلّة أو انعدام المعرفة اللازمة بأمور الحياة، ومن نتائجه التمسك بالسنن والعادات غير المعقولة للقدماء والآباء أو للمجموعات الفاسدة في كلّ عصر، والفقر الثقافي، يعني الجهل وعدم الاطلاع، يعتبر من أسوأ أنواع الفقر كما ورد عن أميرالمؤمنين علي عليه السلام:
«لا فقر أشدّ من الجهل» [٤]
، لأنّ أساس الكثير من المشاكل والتخلف والانحطاط ناتج عن هذا الفقر.
٣. الفقر الإقتصادي (المادّي والمعيشي): ويعني الحرمان من ضروريات الحياة مثل الطعام واللباس والمسكن، وبالنسبة لهذا النوع من الفقر وردت أيات كثيرة في القرآن الكريم تقرر هذا المعنى:
«لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَايَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ ...» [٥]
وهذه الآية الشريفة تبيّن حال جماعة من المسلمين الأوائل المحرومين، وهم الذين اخرجوا من أوطانهم ولا يسمح لهم في اشتراك في ميادين القتال ضد الباطل ولا يستطيعون الكسب والعمل لأجل تأمين ما يحتاجونه في الحياة ولا يستطيعون السفر للتجارة أيضاً.
وفي الآيات المتعلقة بمصارف الزكاة والخمس والإنفاق المندوب ورد الكلام عن هذا الفقر في القرآن الكريم مراراً.
٤. الفقر الروحي والأخلاقي: ويعبّر عن هذا الفقر ب «فقر النفس» [٦]، وبما أنّ الإنسان مركب من جسم وروح، وكما أنّ الجسم يحتاج إلى الغذاء وسائر الحاجات الأخرى والشخص الفاقد لها يبتلي بالفقر المادي، فإنّ الروح أيضاً تحتاج إلى غذاءٍ مناسب، وقلّة هذا النوع من الغذاء الروحي يستلزم ابتلاء الإنسان بالفقر المعنوي والخواء الروحي، وطبعاً فإنّ هذا النوع من الفقر له فروع متعددة، مثل الفقر الناشيء
[١]. وسائل الشيعة، ج ٣، ص ٣٥٠، أبواب أحكام الملابس، باب ٧، حديث ١٢.
[٢]. مفردات للراغب، مادة «فقر».
[٣]. سورة فاطر، الآية ١٥.
[٤]. وسائل الشيعة، ج ١١، ص ١٦٢، أبواب جهاد النفس، باب ٨، ح ٩؛ كنز العمّال، ج ١٦، ص ١٢٠، ح ٤٤١٣٥.
[٥]. سورة البقرة، الآية ٢٧٣.
[٦]. المفردات للراغب، مادة «فقر».