موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٩ - ١ التخطيط الجيد والإدارة الصحيحة
ولا شك أنّ طرق مكافحة الفقر متنوعة ومتعددة، كما أنّ جذور وخلفيات الفقر كذلك، ولكنّ الطرق الأساسية لهذه المواجهة يمكن بيانها فيما يلي:
١. التخطيط الجيد والإدارة الصحيحة
إنّ التخطيط المقترن برؤية مستقبلية ثاقبة وإدارة فاعلة ونشيطة، والتي ورد التعبير عنها في النصوص الإسلاميّة ب «التدبير»، تعتبر من الطرق الأساسية لقلع حالة الفقر من واقع المجتمع الإسلامي.
وتوجد في الكثير من المجتمعات منابع مفيدة وقوى إنسانية وطبيعية بالقدر الكافي (في ظاهر الأرض وباطنها) ولكن مع عدم وجود الإدارة الصحيحة والتخطيط الدقيق تحوّل ذلك المجتمع إلى مجتمع فقير، وفي مقابل ذلك ثمة مجتمعات أخرى مع عدم وجود منابع وإمكانات طبيعية، إلّاأنّها تحوّلت إلى مجتمعات متقدّمة ومتطورة، لأنّها استفادت من منابعها القليلة مع إدارة صحيحة وتخطيط دقيق الحدّ الأقصى من الفائدة.
إنّ الإدارة الصحيحة بحاجة إلى تعليم وتجربة والاستفادة من تجارب الآخرين ورؤية مستقبلية وعدم التعصب بالنسبة لتجاربها الفاشلة في الماضي.
وتشير الأحاديث التالية إلى أهمية الإدارة والتخطيط في المجالات الاقتصاديّة ليتبيّن من ذلك اهتمام الإسلام بهذا المجال اهتماماً كبيراً.
يقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام:
«من ساء تدبيره تعجّل تدميره» [١].
ويقول الإمام علي عليه السلام مخاطباً لعامة الناس:
«أيّها النّاس لا خير في دنيا لا تدبير فيها» [٢].
ويصرّح عليه السلام في بيان آخر:
«سوء التّدبير مفتاح الفقر» [٣].
وكذلك يقول عليه السلام في كلام آخر ضمن عبارة موجزة وعميقة المغزى:
«حسن التّدبير يُنمي قليلَ المال وسوء التّدبير يُفني كثيرَه» [٤].
ويستفاد من رواية شريفة عن أيوب بن الحر سمعت رجلًا يقول لأبي عبداللَّه (الإمام الصادق عليه السلام) بلغني أنّ الاقتصاد وا لتدبير في المعيشة نصف الكسب، فقال أبوعبداللَّه عليه السلام:
«لا، بل هو الكسب كلّه، ومن الدين التدبير في المعيشة» [٥].
وقد ورد التأكيد كثيراً في المصادر الإسلاميّة على الإدارة القوية والجديرة، فالقرآن الكريم يشير باختصار في قصة يوسف عليه السلام وفي إدارة الأمور الاقتصاديّة في مصر والتي تسببت في نجاة الناس من الأزمة الاقتصاديّة الشديدة، إلى هذه النقطة:
«قَالَ اجْعَلْنِى عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ» [٦].
وطبقاً لمفاد هذه الآية الشريفة فإنّ النّبي يوسف عليه السلام اقترح على ملك مصر أنّ يقوم بحفظ وحراسة المنابع الاقتصاديّة لمصر وأن يتولى هذا
[١]. غرر الحكم، ح ٨٠٩١.
[٢]. بحار الأنوار، ج ٦٧، ص ٣٠٧، ح ٣٤.
[٣]. غرر الحكم، ح ٨٠٩٠.
[٤]. المصدر السابق، ح ٨٠٨١.
[٥]. بحار الأنوار، ج ٦٨، ص ٣٤٩، ح ٢٠.
[٦]. سورة يوسف، الآية ٥٥.