موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩١ - البحث الثاني الرقابة العامّة
يقول الإمام الصادق عليه السلام في رواية يخاطب فيها «أبان بن تغلب»:
«... المال مال اللَّه يضعه عند الرّجل
ودائع، وجوّز لهم أن يأكلوا قصداً، ويشربوا قصداً
، ويلبسوا قصداً، ويركبوا قصداً، وينكحوا قصداً،
ويعودوا بما سوى ذلك على فقراء المؤمنين، ويلمّوا به
شعثهم، فمن فعل ذلك كان ما يأكل حلالًا، ويشرب
حلالًا ويركب حلالًا، وينكح حلالًا، ومن عدا ذلك كان
عليه حراماً ثمّ قال: «لا تسرفوا إنّه لا يحب المسرفين»
أترى اللَّه ائتمن رجلًا على مال يقول له: أن يشترى
فرساً بعشرة آلاف درهم، وتجزيه فرس بعشرين
درهماً» [١].
وطبقاً لمفاد هذه الرواية، فإنّ الأثرياء ليس فقط لا يحقّ لهم الاستفادة من أموالهم بشكل مسرف وبدون ضابطة، بل إنّهم لا يستطيعون أيضاً إدّخارها وكنزها ويجب عليهم أن ينفقوا ممّا تبقى من عوائدهم الماليّة إلى المحرومين في المجتمع.
وطبعاً فإنّ هذا الحكم غير واجب من الناحية الفقهيّة ولكن يستفاد جيداً من هذه الرواية أنّ مجرّد إنفاق ما زياد على الأموال لإنقاذ المحرومين يعدّ في نظر الإسلام عملًا جيداً ومحبذاً، أمّا استدلال الإمام عليه السلام بآية تحريم الإسراف، فيمكن أن يكون ناظراً إلى حرمة النفقات الزائدة وغير نافعة.
إنّ رقابة الدولة في الحيلولة دون ظهور هذه المظاهر السلبيّة يشمل الأجهزة الحكوميّة والشركات المرتبطة بها، وأيضاً يشمل القطاعات الخاصّة والشعبيّة كيما يتجتنبوا الاستهلاك الكبير في الأموال ويبتعدوا عن حالات التجمل والبذخ والترف، وكذلك يجب على الحكومة القيام بواجب الرقابة المستمرة على السوق والنظر لكيفية صرف الأموال والنفقات.
البحث الثاني: الرقابة العامّة
بالنظر للمسؤوليّة الجمعية والرقابة العامّة لجمهور الناس، فإنّ الناس مكلّفون أيضاً بمراقبة النظام الاقتصادي والسوق ومن خلال التوصيات وإرسال الأخبار يستطيعون التصدي لمظاهر الإجحاف، الإحتكار، الغش وكلّ ما يتسبب في توهين النظام الاقتصادي في المجتمع.
يقول الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام فيما يتصل بلزوم الرقابة على أعمال الناس:
«إذا فعل الناس هذه
الأشياء (المنهيّات) وارتكب كلّ إنسان ما يشتهي
ويهواه، من غير مراقبة لأحد، كان في ذلك فساد الخلق
أجمعين» [٢].
إنّ ضرورة رقابة الناس بعضهم على البعض الآخر، ومنها رقابتهم على السوق، يستند إلى دليل «وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» وكذلك إلى «لزوم التعاون مع الحكومة الإسلاميّة» يقول القرآن الكريم:
«وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ» [٣].
[١]. وسائل الشيعة، ج ٨، ص ٣٦٦، ح ٥.
[٢]. عيون أخبار الرضا، ج ١، ص ١٠٧.
[٣]. سورة التوبة، الآية ٧١.