موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٠ - ح) تأمين السعادة الاخرويّة عن طريق إعمار الدنيا!
والتطور في جميع العلوم والفنون المختلفة، والزاهد المسلم لا يمكنه أن يغض النظر عن هذه الأمور، وخاصّة مع تأكيد القرآن الكريم في هذا المجال:
«هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا» [١].
وكذلك يقول القرآن الكريم:
«هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِّزْقِهِ» [٢].
ورغم أنّ اللَّه تعالى سخر الأرض للإنسان وجعلها ذلولًا له لينتفع من مواهبها الطبيعيّة بكلّ يُسر، ولكن التعبير ب
«فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا»
يوحي بهذه الحقيقة وهي «ما لم تتحركوا في مجال كسب الرزق والسعي في إعمار الدنيا، فإنّكم لا تنالون شيئاً من رزقها» [٣].
وفي الحقيقة إنّ الأمر بالعمل والسعي والمشي في مناكب الأرض هو أمر بالعمل على استثمار المواهب الطبيعيّة التي جعلها اللَّه تعالى في هذه الأرض لننتفع بها.
ونقرأ في كتاب أميرالمؤمنين عليه السلام المعروف لمالك الأشتر- والذي يستحق أن يسمى «دستور السياسة والتنمية والإعمار» أنّ من جملة الأمور التي يأمر بها الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام وإليه مالك الأشتر في هذا الكتاب إعمار البلاد:
«... وعمارة بلادها» [٤].
ويقول عليه السلام في سياق هذا الكتاب لمالك الأشتر:
«... وَلْيَكُن نَظَرُك في عِمارة الْأرض أبلغ مِنْ نظرك فِى اسْتجلابِ الْخَراج، لأنّ ذلك لا يُدْرك إلّا بِالْعِمارة».
نستوحي من التعاليم الواردة أعلاه أنّه لا ينبغي لأي مسلم أن يقف موقف المتفرج من مواهب الطبيعة بل ينبغي أن يتحرك على مستوى الاستفادة الصحيحة من خزائنها ومعادنها ويعمل على إحياء الأراضي والقرى ولا يجعل من الزهد «بالمعنى المحرف» ذريعة لترك العمل والكسب.
ح) تأمين السعادة الاخرويّة عن طريق إعمار الدنيا!
إنّ التعاليم الإسلاميّة تأذن، بل تشوق المسلم على الاستفادة من مواهب الطبيعة والسعي لتحصيل الملذات الحلال فيما ينسجم مع شأن كلّ مسلم، ويتحرك على مستوى الاستفادة من قابلياته وطاقاته لإعمار الدنيا لغرض توفير أسباب وعوامل السعادة في الآخرة.
ونستوحي من خلال التدقيق في مفاد الآيات الشريفة، كالآيات التي سنستعرضها، أنّ الاستفادة المعقولة والبعيدة عن أشكال الإسراف والتبذير للمواهب الدينويّة ليس فقط أنّها غير مذمومة لجميع الناس ومنهم المتقين والزهاد، بل مطلوبة أيضاً، لأنّ المائدة الإلهيّة التي جعلها اللَّه تعالى في عالم الطبيعة لعباده إنّما هي لغرض انتفاع الناس بها وأداء شكر هذه النعمة من خلال الاستفادة منها بوصفها مقدمة لتحصيل الكمالات المعنويّة:
«يَا بَنِى آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا» [٥].
«قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» [٦].
والشاهد على هذا الكلام ما ورد في كلمات أميرالمؤمنين علي عليه السلام أنّه قال:
«واعلموا عِباداللَّه أنّ المتّقين ذَهَبوا بعاجِل الدّنيا وآجل الآخرة، فشارَكوا أهلَ الدُّنيا في دنياهم، ولم يُشارِكُوا أهلُ الدُّنيا في آخرتهم، سَكنوا الدُّنْيا بِأفضل ما سُكِنَتْ وأكلُوها بِأفْضل ما اكِلَتْ» [٧].
ونستنتج ممّا تقدّم أنّ الإستفادة من مواهب الدنيا من شأنه أن يساهم في توفير الزاد والمتاع للزاهد المسلم لبناء الذات وتهذيب النفس والوصول إلى مقام القرب الإلهي والعرفان الحقيقي، ولا يبعد أنّ اقتران «الأمر بالعمل الصالح» بعد «الأمر بأكل الطيّبات» في الآية
«يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً» [٨]
إشارة إلى هذه النقطة.
والشاهد على هذا المدعى ما نراه من فعل أميرالمؤمنين علي عليه السلام أنّه كان يقسّم ساعات يومه إلى ثلاثة أقسام:
«للمؤمن ثلاث ساعات: فساعة يناجي فيها ربّه وساعة يرمّ معاشه وساعة يخلّي بين نفسه وبين لذّتها فيما يحلّ ويجمل» [٩]
، وورد في ذيل حديث مماثل عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:
«فإنّها عون على
[١]. سورة هود، الآية ٦١.
[٢]. سورة الملك، الآية ١٥.
[٣]. انظر: التفسير الأمثل، ج ١٥ ذيل الآية مورد البحث.
[٤]. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
[٥]. سورة الأعراف، الآية ٣١.
[٦]. سورة الأعراف، الآية ٣٢.
[٧]. نهج البلاغة، الكتاب ٢٧.
[٨]. سورة المؤمنون، الآية ٥١.
[٩]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة ٣٩٠.