موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٢ - ١ الإسراف والتبذير في كتاب اللَّه
هذه الجهة ورد المنع والردع عنه وأنّه يتسبب في تضييع الأموال والأوقات و ...
ولا يوجد أي اختلاف بين العلماء في مسألة حرمة الإسراف، وربّما يمكن القول بوجود «إجماع» بينهم في هذه المسألة [١].
أدلة التحريم:
١. الإسراف والتبذير في كتاب اللَّه
وردت آيات في القرآن الكريم تنهى بصراحة عن الإسراف [٢] والتبذير، ومع الأخذ بنظر الاعتبار ظهور صيغة الأمر في الحرمة، فإنّ هذه الآيات تدلّ على حرمة الإسراف:
١.
«يَا بَنِى آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَايُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» [٣].
وفي بداية هذه الآية يأمر اللَّه تعالى بارتداء أفضل الملابس ورعاية النظافة (الظاهريّة والباطنيّة) عند الدخول إلى المساجد، ثمّ يأمر بتناول الأطمعة الطاهرة والطيّبة، وبما أنّ طبع الإنسان يدعوه للمزيد من تناول هذه الأمور فربّما يسيىء استغلال هاتين التوصيتين، وبدلًا من الاعتدال فإنّه يسلك طريق التجمل والإسراف فتقول الآية:
«وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ».
٢.
«وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً
* إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً» [٤].
تتحدّث هاتان الآيتان عن لزوم رعاية الاعتدال في الإنفاق وبذل المال بحيث تعتبر أنّ الزيادة في البذل من جملة «التبذير» وتعتبر المبذرين إخواناً للشياطين.
ومعلوم أنّ الشيطان مع كونه يملك قوى وقدرات غير طبيعيّة فإنّه يستخدم هذه القوى في غير موردها يعني في إضلال الناس ودفعه باتّجاه الانحراف والتمرد، والمبذرون أي من جهة صرف أموالهم وقواهم في غير موردها المطلوب من اللَّه تعالى، فإنّ أعمالهم تتسق وتتناغم مع أعمال الشياطين وبالتالي يعتبرون إخواناً للشيطان.
ويستفاد من هذه الآية الشريفة بوضوح أنّ التبذير عمل شيطاني والمبذر يسلك في خط الشيطان، وهذا التعبير في غاية الروعة والدقّة في وصف قبح صفة التبذير [٥].
٣.
«كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَايُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» [٦].
والتعبير بجملة «لا تسرفوا» في هذه الآية يمكن أن يكون إشارة إلى لزوم اجتناب الإسراف في الأكل
[١]. انظر: عوائد الأيّام، ص ٦١٥.
[٢]. وردت مادة «سرف» [إسراف] في صيغ مختلفة، ٢٣ مرّة فيالقرآن الكريم؛ ووردت بعض من مشتقاتها مرّة واحدة من قبيل (إسراف) وبعضها مرّتين من قبيل (مسرف) وبعضها عدّة مرّات من قبيل (مسرفون).
[٣]. سورة الأعراف، الآية ٣١.
[٤]. سورة الاسراء، الآية ٢٦ و ٢٧.
[٥]. انظر التفاسير: التفسير الأمثل؛ المنير، الدكتور وهبة الزحيلي؛ الميزان في ذيل الآية مورد البحث.
[٦]. سورة الأنعام، الآية ١٤١.