موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٥ - ٢ العمران والتنمية
والمصارف تدخل عجلة الاقتصاد والمعاملات التجاريّة ويحصل صاحب المال على ربح معين منها، وعلى هذا الأساس ربّما يتصور البعض أنّ أحكام الكنز لا تجري في عصرنا الحاضر، ولكن لا ينبغي الغفلة عن أنّ الكنز في هذا الزمان يحدث بأشكال خفيّة مثلًا الأشخاص الذين يستبدلون أموالهم بالأراضي أو الدور والعقارات ويتركونها دون الاستفادة منها، أو يشترون بها لوحات ثمينة وأشياء تحفيّة وأمثال ذلك ممّا لا ينتفع منه الإنسان فائدة معقولة ولا تعود على المجتمع بنفع معقول، والأشنع والأسوء من ذلك إدّخار هذه الأموال في البنوك الخارجيّة بحيث لا ينتفع منه المجتمع الإسلامي أبداً وتعود أرباحها للأجانب.
٢. العمران والتنمية
إنّ المؤرخين الذين كتبوا عن الحضارة الإسلاميّة، شواءً من المؤرخين المسلمين أم غير المسلمين، يشهدون بأنّ الإسلام كان له الفضل في فتح أبواب التمدن والتحضر، وكان بصدد تجسيد القيم الأخلاقيّة من طرق مختلفة والمساهم في رقي ورشد المجتمعات الإسلاميّة، ومن هذه الجهة لا مجال لظهور الانحطاط والتخلف والركود الاقتصادي في هذه الرؤية الدينيّة، فالعمل والسعي الدائم والمشاركة في البرامج والسياسات الاقتصاديّة، وإيجاد روحية المحبّة والتعاون، وتفضيل المنافع الاجتماعيّة على المنافع الشخصيّة، وأخيراً في كلمة واحدة السعي لتنمية وإحياء المجتمعات الإسلاميّة في مقابل المجتمعات الأخرى من جملة القيم التي أثمرت في ظلّ أمور من قبيل الاجتناب عن تجميد الثروة وإدّخار المال.
يقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام:
«أوصيكم ...
بالاكتساب في الفقر والغنى» [١].
والعمل في هذه الرؤية الدينيّة محترم لذاته، حتى لو لم يكن للشخص حاجة إليه، وفي الحقيقة أنّ العمل في الإسلام ليس من أجل المصرف والاستهلاك، بل تارة يكون لغرض نفع الآخرين.
وفي حديث آخر للإمام أميرالمؤمنين علي عليه السلام قال:
«المال ما أفاد الرجال» [٢].
وفي كلام للإمام الصادق عليه السلام يقول فيه:
«ما يخلف الرجل بعده شيئاً أشدّ عليه من المال الصامت»
، قال الراوي قلت: كيف يصنع به؟ فقال:
«يجعله في الحائط والبستان والدار» [٣].
ومن هذه الجهة فإنّ تجميد الأرض الزراعيّة وإهمالها لا يجوز في نظر الإسلام، لأنّ إهمال الأراض الزراعيّة وتركها بواراً يعدّ نوعاً من إخراج المال من عجلة الإنتاج.
ونقرأ في القرآن الكريم:
«هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا» [٤].
ونقرأ في حديث عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله:
«من كان
[١]. الحياة، ج ٥، ص ٢٩٧.
[٢]. عيون الحكم والمواعظ، ص ٤٢.
[٣]. وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٤٤، ص ١.
[٤]. سورة هود، الآية ٦١.