موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٧ - ١ الاعتدال في عمليّة الاستهلاك
وأحياناً بصوت منخفض ويتعوذون من شرّ الشيطان وهوى النفس باللَّه تعالى وبذلك يعملون على تنقية روحهم وتطهير قلبهم وليتمكنوا من إقامة معاملات سليمة ومورد رضا اللَّه تعالى.
البحث الثالث: سيادة الأخلاق في عمليّة الاستهلاك
إن الإسلام بالنسبة للاستهلاك أيضاً لم يجعل أيدي المستهلكين مفتوحة بحيث يجوز لهم أن ينتفعوا من أموالهم كيف ما شاؤوا وينفقونها بأي وسيلة واسلوب، بل ثمة توصيات وتعاليم دينيّة في هذا الشأن، نشير هنا إلى بعضها:
١. الاعتدال في عمليّة الاستهلاك
إنّ الاعتدال في الاستهلاك يعتبر من ضروريات المصرف ومورد تأكيد الإسلام، فالاعتدال مطلوب سواء كان في مصرف الطعام واللباس وأمثال ذلك، أم كان في النفقات الجاريّة الأخرى وحول مسألة الاعتدال فى الاستهلاك وردت أحاديث كثيرة وتعبيرات قوية تشير إلى أنّ الاقتصاد السالم يقوم على أساس الاعتدال في المصرف والاستهلاك، فنقرأ في حديث عن رسول اللَّه أنّه قال:
«من اقتصد أغناه اللَّه» [١].
وجاء في حديث آخر عن الإمام علي عليه السلام
«الاقتصاد ينمي القليل والإسراف يفني الجزيل» [٢].
وهذا الموضوع مهم إلى درجة أنّ النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله جعل الاعتدال في المصرف نصف المعيشة وقال:
«الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة» [٣].
وكما تقدّمت الإشارة إليه فإنّ هذا الموضوع ورد بشكل واسع في الأحاديث الإسلاميّة ونختم هذا البحث برواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:
«ضمنت لمن اقتصد أن لا يفتقر قال اللَّه عزوجل: «وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ» [٤] والعفو الوسط وقال اللَّه
عزوجل: «وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً» [٥] والقوام الوسط» [٦].
ومع الالتفات إلى محدوديّة المنابع الطبيعيّة في العالم وزيادة نفوس البشر بشكل تدريجي فيمكن بالاستلهام من التعاليم والتوصيات المذكورة ورعاية الاقتصاد والاعتدال في المصرف والاستهلاك، أن ينتفع الجميع من المواهب الطبيعيّة في العالم وتنجو الأجيال اللاحقة من حالات الفقر والحاجة [٧].
ومن موارد الاعتدال في المصرف، اجتناب الإسراف والتبذير، وقد ورد في الإسلام الذم الشديد لحالات التبذير والبذخ والإسراف في الاستهلاك، في حين أنّ العالم الرأسمالي اليوم ليس فقط يدعو المستهلكين إلى استهلاك أكثر بل من خلال الإعلان
[١]. ميزان الحكمة، ج ٣، ح ٣٣٤٢.
[٢]. غرر الحكم، ح ٨٠٦٢.
[٣]. كنز العمال، ج ٣، ح ٥٤٣٤.
[٤]. بقره، آيه ٢١٩.
[٥]. فرقان، آيه ٦٧.
[٦]. من لا يحضره الفقيه، ج ٢، ص ٦٤، ح ١٧٢١.
[٧]. وفيما يتصل بأمر الاعتدال في المصرف انظر: «اجتناب كلّ أشكال من الإسراف» في هذا الكتاب.