موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٠ - البحث الأوّل ضرورة تدخل الحكومة بشكل محدود في الاقتصاد
هذين الاقتصادين، ليستطيع كلّ واحد من هذين الاقتصادين: السوق الحر والاقتصاد الحكومي من تأمين بعض هذه الحاجات.
وطبعاً فالمهم هنا وما وقع مورد البحث والجدال، مقدار وكيفية تدخل وحضور الدولة في السوق والاقتصاد.
وممّا لا شك فيه أنّ تعريفنا ورؤيتنا للحكومة ووظائفها واختياراتها وأهدافها في الاقتصاد، يؤثر تأثيراً كبيراً في رؤيتنا لكيفية ومقدار تدخل الحكومة في الاقتصاد، كما هو ملاحظ في إيران أيضاً، بعد مضي عقدين أو ثلاثة عقود من انتصار الثورة الإسلاميّة، حيث نشاهد مواقف مختلفة في هذا الباب بالتناسب مع نوع رؤية المسؤولين في الحكومة الإسلاميّة إلى المسيرة الاقتصاديّة في هذا البلد، فتارة ترتفع نسبة تدخل الدولة في الاقتصاد وتارة أخرى يرتفع شعار لزوم التقليل من تدخل الحكومة في السوق.
وهذا الاختلاف في المواقف، يحكي عن هذه الحقيقة، وهي أنّه بالرغم من أنّ الجميع يقبلون على أصل تدخل الحكومة، ولكنّهم مختلفون في تعيين حدود وكيفية هذا التدخل، ولم يصلوا لحدّ الآن إلى نظريّة كاملة وشاملة في هذا الجانب.
وهذا الموضوع مع أنّه يمكن استنباطه بوضوح من آيات القرآن وكلمات المعصومين عليهم السلام، ولكن بما أنّ علماء الدين على إمتداد التاريخ لم يكن لهم دور مؤثر في قرارات الحكومة، وخاصّة فيما يتصل بعلماء الشيعة، فإنّه قلّما وقع مورد البحث والاهتمام من قبل علماء الإسلام.
ويعتقد بعض المحققين [١] أنّ كتاب «الخراج» لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم (م ١٨٢ ه ق) يعتبر أوّل كتاب الف لغرض بيان مكانة ودور الحكومة الإسلاميّة في النشاطات الاقتصاديّة، وبعده ألّف علماء مسلمون في المائة سنة الأخيرة، من علماء أهل السنّة محمّد عمر جپرا، الدكتور إبراهيم العسل، الدكتورة سعاد إبراهيم صالح، البرفسور خورشيد أحمد، الدكتور منذر قحف، ومن كبار علماء الشيعة نرى من بحث هذا الموضوع في أبعاده المختلفة وبيّن مكانة ودور الحكومة في الاقتصاد الإسلامي الإمام الخميني قدس سره، الشهيد الصدر والشهيد المطهري.
واليوم بحمداللَّه وبعد قيام الحكومة الإسلاميّة في ايران نأمل أن تكون نموذجاً مناسباً لسائر البلاد الإسلاميّة، فإنّ طرح هذا الموضوع وتقديم طرق ومناهج مناسبة في مقام التنفيذ والعمل، يحظى بأهميّة كبيرة.
وكما سيأتي الكلام عنه لاحقاً بشكل تفصيلي فإنّ الإسلام يطرح نظريّة في هذا المجال، وهذه النظريّة من جهة تؤكد على إشراف الحكومة الإسلاميّة في المسائل الاقتصاديّة، كما ورد التعبير عن هذا المعنى في قوله تعالى:
«كَيْ لَايَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ» [٢]
أو ما ورد في الروايات:
«... وامنع من
[١]. دور الحكومة في الاقتصاد (نقش دولت در اقتصاد) بالفارسيّة، السيد عباس الموسويان، ص ١٥٥- ١٥٦.
[٢]. سورة الحشر، الآية ٧.