موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٧ - مقدّمة
عدم التضاد بين الزهد الإسلامي والنشاطات الاقتصاديّة الواسعة
مقدّمة:
لا شك أنّ قوى الهيمنة والسيطرة في العالم عملوا على تحريف مقولة «الزهد الإسلامي» لهدف خاص مع تسديد وحماية أصحاب السلطة الثقافيّة، وتصوّروا أنّ الزهد عامل من عوامل الركود الاقتصادي في المجتمع، وبهذه النظرة المسبقة أثاروا علامات الاستفهام في مجال حضور الدين والإيمان ووجود اللَّه في فضاء المجتمع، هؤلاء طرحوا هذه الشبهة، وهي: أليس الزهد يتقاطع مع الرشد والتنمية الاقتصاديّة؟ أليس الزهد يؤدّي إلى ركود واهتزاز روحية العمل والنشاط والسعي في الإعمار والبناء؟
وإذا عاش الإنسان حالة الزهد ألا يدعوه ذلك إلى التكاسل واللامبالاة بالحياة؟ ألا يدعو الزهد إلى إعراض الناس عن إعمار الدنيا؟
يقول أحد الكتّاب المعاصرين المعروفين «ماكس وِبِر» في كتابه أخلاق البروتستانيّة وروح الرأسماليّة:
«... ثمة مسائل في التعاليم الإسلاميّة من قبيل:
الزهد، القناعة، القضاء وقدر و ... تعدّ عاملًا لتخلف المجتمعات الإسلاميّة ...» [١].
وهذه المقالة تتصدى للجواب عن الشبهات المذكورة وتطرح حقيقة الزهد في نظر الإسلام، وفي هذا التحقيق نلفت النظر إلى هذه النقطة، وهي أنّ الزهد الإسلامي في حقيقته يمثّل عدم الإرتباط القلبي بالأمور الماديّة ويدعو إلى معيشة بسيطة وحياة سليمة بعيداً عن كلّ أشكال الترف والبذخ والإسراف والتبذير.
إنّ الزهد الإسلامي يستدعي أن يعيش الإنسان حالة القناعة المعقولة في التمتع بالنعم في حركة الحياة، وهذا النوع من الزهد ليس فقط لا يتقاطع مع تطوير الحياة وإزدهارها، بل يستدعي الإزدهار الاقتصادي في ظلّ هذا النوع من الزهد أيضاً، وفي الحقيقة ثمّة علاقة وملازمة بين الزهد الإسلامي والرشد والتنمية الاقتصاديّة، لأنّه:
أوّلًا: إنّ الزهد الإسلامي يمنع الكثير من حالات الطمع والإسراف في الاستفادة من مواهب الحياة فيما تفرض على الإنسان نفقات باهظة وغير ضروريّة، ويحول دون الكثير من أشكال الإسراف والتبذير والبذخ والمصروفات أللامعقولة، وبالتالي يؤدّي قهراً إلى بقاء ثروات المجتمع ويحول دون إهدارها وإتلافها.
ثانياً: إنّ الزهد الإسلامي يمنع الكثير من أشكال التخريب المالي، فالحروب غالباً تمتد في جذورها إلى حالة الطمع والحرص وطلب الدنيا وتستنفذ الكثير
[١]. انظر: الدين، الثقافة والتنمية (دين، فرهنگ و توسعه). وجدير بالقول إنّ قسماً من هذه المفاهيم طالتها يد التحريف، وأجبنا عليها في بحث «الفقر وطرق مكافحته في الإسلام» في هذا الكتاب.