موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٠ - أ) وضع القوانين المانعة
تعالى جعل المال والثروة وسيلة لتدبير أمور الإنسان في حياته الدنيويّة، يقول هذا الإمام عليه السلام بالنسبة للدرهم والدينار:
«جعلها اللَّه مَصِحَّةً لخلقه وبها تستقيم شؤونهم ومطالبهم» [١].
ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:
«إنّما أعطاكم اللَّه هذه الفضول من الأموال لتوجّهوها حيث وجّهها اللَّه ولم يعطكموها لتكنزوها» [٢].
ونقرأ في كلام آخر لأميرالمؤمنين عليه السلام فيما يتصل بادّخار الأموال وما يترتب عليها من فتنة في المجتمع:
«إنّ إمساكه (المال) فتنة» [٣].
أجل، فإنّ الإسلام، مضافاً إلى اعتباره نفس هذا العمل (إكتناز الثروة) عاملًا للفتنة والشر، فإنّه وضع عقوبات ثقيلة لهذا العمل وقرر حرمته ومنعه، ومن خلال اتّباع سياسات خاصّة ثقافيّة وتربويّة من جهة، والاستفادة من الآليات الحقوقيّة والاجتماعيّة من جهة أخرى، وضع الإسلام سياسته الاقتصاديّة على أصل «عدم تمركز الثروات» وحرم جميع الطرق التي تنتهي إلى الفساد المالي في مفاصل الاقتصاد.
ويمكن تشبيه جريان المال والثروة في نظر الدين، بجريان الدم في البدن الذي ينبغي أن يتدفق ويجري بشكل متوازن في جميع أجراء البدن بحيث إنّ الدم إذا اجتمع وتراكم في بعض زوايا البدن، فإنّه يؤدّي إلى المرض وفساد البدن، وقلّة وجود الدم في سائر الأقسام الأخرى، وهكذا بالنسبة لتراكم رأس المال بيد طبقة خاصّة من المجتمع يؤدّي إلى ظهور حالات الفقر والعوز في الطبقات الأخرى.
وبديهي أنّ كلا هذين الحالتين تؤدّي إلى ضرر وفساد في واقع الفرد والمجتمع، وهذا هو الفساد المالي والاقتصادي الذي نهى عنه الإسلام بشدّة.
وخلاصة الكلام أنّ مطالعة النصوص الدينيّة في الفقه الإسلامي ومباني الاقتصاد في الكتاب والسنّة تبيّن بوضوح أنّ الإسلام يخالف بشدّة إكتناز الأموال بشكل منفلت وفي ذات الوقت يحترم الإسلام الملكيّة الخاصّة ومن خلال تشريع المحرمات والواجبات ووضع شروط خاصّة للانتاج والاستهلاك فإنّه منع على المستوى العملي تمركز الثروة وتكاثر الأموال وفي الواقع أنّ الإسلام بإيجاده شبكة من الأحكام الضابطة بشكل منسجم، عمل على ضبط الملكيّة الخاصّة للأفراد من كلّ الجهات، فساق أصحاب الثروة والمال إلى خط الإنتاج والتنمية الاقتصاديّة، وبالتالي جعل عليهم تعب الإدارة وتدبير الحركة الاقتصاديّة، ولكن الفائدة والقسم المهم من منافع هذه الحركة الانتاجيّة تعود إلى المجتمع والناس.
ومع الأخذ بنظر الاعتبار هذه المقدّمة نأتي إلى الأصول والمقررات التي يقترحها الإسلام في مجال التصدي لظاهرة تراكم الثروة وإكتناز المال:
أ) وضع القوانين المانعة
إنّ من أهم الوسائل وأكثرها تأثيراً في النظام الاقتصادي في الإسلام لغرض منع تمركز الثروات
[١]. بحار الأنوار، ج ٧٠، ص ١٣٨.
[٢]. الكافي، ج ٤، ص ٣٢، ح ٥.
[٣]. مسند أحمد، ج ٥، ص ٥٨.