موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٦ - ج) عبادة الثروة
لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ» [١]
قيل: اللام في «لحبّ الخير» التعليل والخير المال، والمعنى إنّ الإنسان لأجل حبّ المال الشديد، أي بخيل شحيح، وقيل المراد أنّ الإنسان لشديد الحب للمال ويدعوه إلى الامتناع عن إعطاء حقّ اللَّه، والإنفاق في اللَّه ...» [٢]، (وطبعاً لا يخفى أنّ الإنفاق ليس دوماً بمعنى الإنفاق بلا عوض، بل يشمل كلّ إنفاق يستفيد منه الآخرين).
وذكر العلّامة الطباطبائي رحمه الله في تفسير الآيات الشريفة:
«وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ
* وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمّاً* وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً»
، يستفاد من هذه الآيات أن أعمالًا من قبيل جمع المال وعدم الاهتمام بالآخرين، ومنشأه حب المال [٣].
وكلمة «جمّاً» في مصباح اللغة و المقاييس تعني الكثير والوافر.
أضف إلى ذلك فإنّ مثل هذه العلاقة الشديدة بالمال والثروة تستتبع أموراً أخرى أيضاً، منها أنّ الإنسان عندما يهتم بجمع المال وإدّخاره فإنّه لا يلاحظ مسألة الحلال والحرام، ولا يهتم بدفع الحقوق الإلهيّة الماليّة، وكذلك فإنّ مثل هذا الشخص الذي إستولى حبّ المال على قلبه فإنّه لا يجد ذكر اللَّه محلّاً في قلبه.
ونقرأ في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:
«إذا أبغض اللَّه عبداً حبّب إليه المال وبسط له وألهمه دنياه ووكّله إلى هواه فركب العناد وبسط الفساد وظلم العباد» [٤].
ويستفاد من بعض الروايات أنّ عبادة المال (العلاقة المفرطة بالثروة) أشد وأشنع من عبادة الصنم، فعن ابن عباس (عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله) قال:
«إنّ أوّل درهم ودينار وضع في الأرض نظر إليهما إبليس فلمّا عاينهما أخذهما فوضعهما على عينيه ثمّ ضمّهما إلى صدره ثمّ صرخ صرخة ثمّ ضمّهما إلى صدره ثمّ قال:
أنتما قرّة عيني وثمرة فؤادي، ما أبالي من بني آدم إذا أحبّوكما أن لا يعبدوا وثناً، حسبي من بني آدم أن يحبّوكما» [٥].
وغني عن البيان أنّه عندما تشتعل نيران الرغبة والعشق لزخارف الدنيا في أعماق وجود الإنسان، فسيكون حاله حال العاشق القلق في سعيه لجمع الثروة ومن أي طريق كان وبذلك يسحق جميع القيم والمعنويات بدافع الوصول إلى هذه الغاية، وحتى أنّه يعيش اللامبالاة وعدم اهتمام بأرحامه وأقربائه المحتاجين.
وعلى هذا الأساس ورد في كلام سابق للإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، أنّ قطع الرحم (وترك المعونة الماليّة للأرحام المحتاجين) يعتبر أحد عوامل
[١]. سورة العاديات، الآية ٨.
[٢]. الميزان، ج ٢٠، ص ٣٤٧.
[٣]. الميزان، ج ٢٠، ص ٢٨٣.
[٤]. بحار الأنوار، ج ١٠٠، ص ٢٦، ح ٣٤.
[٥]. أمالي الصدوق، ص ٢٦٩، ح ٢٩٦/ ١٧؛ بحار الأنوار، ج ٧٠، ص ١٣٧، ح ٣.