موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٨ - ٢ استحكام المنتوجات
الْفَسَادَ» [١].
وتعتبر هذه الآية أنّ إهلاك وتلويث البيئة والإضرار بالنباتات والحيوانات، تعتبر المصداق البارز لمقولة «الفساد في الأرض» وتنهى عنه بشدّة لأنّ الآية التالية تهدد هذا الشخص بالنار والعذاب الأليم يوم القيامة، وتقول:
«وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ» [٢].
وقد تحرك الإسلام بوضع قاعدة «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام»، لمنع هذا النمط من الإضرار بالبيئة والأحياء، وطبقاً لهذه القاعدة التي تعتبر من القوانين المهمّة والحاكمة على سائر القوانين، فإنّ كلّ مضرّ، سواءً في مرحلة الوضع أو في مرحلة الإجراء ليس له مشروعيّة، وطبقاً لهذه القاعدة فإنّ الناس لا يحق لهم الإضرار ببعضهم البعض، وهذا القانون يمنع كلّ ما يؤدّي إلى الإضرار بالناس والبيئة والمجتمع البشري ويشمل قطعاً إنتاج المواد والمنتوجات المضرّة أيضاً [٣].
إنّ مواجهة الإسلام وتحريميه لانتاج المشروبات الكحوليّة، القمار وأمثال ذلك وتحصيل الثروة من هذا الطريق من شأنه أن يصبّ في هذا الاتّجاه وبهذا المنطق يمكن منع إنتاج المخدرات وحبوب الهلوسة وأمثالها ومنع زراعتها وانتاجها، يقول القرآن الكريم بالنسبة لأضرار المشروبات الكحوليّة والقمار:
«وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا» [٤].
٢. استحكام المنتوجات
ن الموارد التي أكد عليها الإسلام كثيراً، اتقان العمل والدقّة في الإنتاج، ويحذر الإسلام من المنتوجات الزائفة والمخالفة للمقاييس المطلوبة.
ويعتبر القرآن الكريم أفضل إلهام للمسلمين في هذا المجال لأنّه يقول بصراحة: إنّ جميع مصنوعات اللَّه تعالى في عالم الوجود تملك اتقاناً واستحكاماً ونظم خاص، ومن ذلك ما ورد في الآية ٨٨ من سورة النمل:
«وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ».
وعندما يذكر القرآن الكريم أنّ خلق اللَّه في عالم الوجود يملك مثل هذا الاتقان والدقّة، فإنّ ذلك يعطينا درساً بأن تنسجم أعمالنا مع نظام عالم الوجود فنبدأ بالعمل باتقان ونختمه باتقان أيضاً.
وقد ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في هذا الصدد:
«ولكنّ اللَّه يحبّ عبداً إذا عَمِل عملًا أحكمه» [٥].
ويقول النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله في بيان آخر:
«إذا عَمِل أحدكم عملًا فَلْيُتْقِن» [٦].
وهذا الكلام لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله قاله عند ترميم قبر، فعندما يهتم النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله بقبر الميت الذي سيتحلل جسده على أيّة حال عاجلًا أم آجلًا فبالضرورة يهتم النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله بمراعاة الاتقان والاستحكام في
[١]. سورة البقرة، الآية ٢٠٥.
[٢]. سورة البقرة، الآية ٢٠٦.
[٣]. وللمزيد من الاطلاع على منبع ومصدر لهذه القاعدة ومفادها انظر: القواعد الفقهية، تأليف آية اللَّه مكارم الشيرازي، ج ١، قاعدة «لا ضرر».
[٤]. سورة البقرة، الآية ٢١٩.
[٥]. وسائل الشيعة، ج ٢، ص ٨٨٤، ح ٢.
[٦]. المصدر السابق، ص ٨٨٣، ح ١.