موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٨ - ٢ الرفاه العام
على ما ورد أعلاه، وذلك في وصفها للأنعام والدواب بعنوان الزينة وجمال الحياة الدنيا، تقول الآية:
«وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
* وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ* وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ* وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَاتَعْلَمُونَ» [١].
لأنّ التعبير بالزينة والجمال يدلّ على أنّ هذه الأمور ليست من ضرويات الحياة الدنيويّة بل تملك بعداً رفاهياً أيضاً.
ويتبيّن من الروايات الشريفة التي تتحدّث عن الحكومة الإسلاميّة بعد ظهور الإمام المهدي عليه السلام أيضاً أنّ مسؤوليّة الحاكم الإسلامي في هذا المجال توفير الرفاه العام أيضاً، فنقرأ في رواية عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله أيضاً:
«يخرج له
(الإمام المهدي عليه السلام
الأرض أفلاذ كبدها ويَحْثوا المال حَثْواً ولا يعدّه عدّاً» [٢]
، وكذلك ورد في الرواية عن النّبي الأكرم عليه السلام أيضاً:
«يتنعّم أمّتي في زمن المهدي عليه السلام نعمة لم يتنعّموا قبلها قطّ، يرسل السماء عليهم مدراراً ولا تدع الأرض شيئاً من نباتها إلّا أخرجته» [٣].
وطبعاً لابدّ من التفكير، إلى جانب هذا الهدف، بهذه الحقيقة، وهي أنّ الرفاه إنّما يكون مطلوباً وبمقدار معين فيما إذا لم يتسبب في الغفلة عن ذكر اللَّه، ولذلك ورد في القرآن الكريم قوله:
«وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ» [٤]
، فمعلوم أنّ التوسعة والبسط يتسببان في الغفلة والبغي والتمرد والطغيان بسبب هذا الغنى والثروة:
«إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَّآهُ اسْتَغْنَى» [٥]
ويتسبب أيضاً في الإعراض عن الحقّ التعالى:
«وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَ بِجَانِبِهِ» [٦]
وهذه الأمور تعتبر مرفوضة وغير مطلوب للشارع المقدس.
وببيان آخر: أنّ الرفاه المطلوب ينبغي أن يكون في إطار «الكفاف»:
«وَلا تَسأَلُوا فِيها فَوقَ الكَفَافِ» [٧]
، ويؤدّي إلى عدم حاجة الإنسان لإظهار عوزه وفقره أمام خلق اللَّه بل تكون بدرجة أنّها تكفي الإنسان في حوائجه المعقولة والمتعارفة، كما ورد في النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله:
«اللّهم ارزق محمّداً وآل محمّد ومن أحبّ محمّداً وآل محمّد العفاف والكفاف» [٨]
، ولا يؤدّي الرفاه إلى حالة من الإنجرار وراء زخارف الدنيا وحالة من السكر بالملذات والتمتعات، لأنّ سكر النعمة يعدّ أحد أنواع السكر أيضاً:
«فَاتّقُوا سَكراتِ النِّعمَةِ» [٩]
، وقال الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله:
«ونعم المال
الصالح للمرء الصالح» [١٠].
[١]. سورة النحل، الآيات ٥- ٨.
[٢]. بحار الأنوار، ج ٥١، ص ٦٨، ح ٩.
[٣]. المصدر السابق، ص ٨٣ عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله.
[٤]. سورة الشورى، الآية ٢٧.
[٥]. سورة العلق، الآية ٦ و ٧.
[٦]. سورة الإسراء، الآية ٨٣.
[٧]. نهج البلاغة، الخطبة ٤٥.
[٨]. بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٦٧، ح ٢٧.
[٩]. نهج البلاغة، خ ١٥١.
[١٠]. مسند أحمد، ج ٤، ص ١٩٧.