موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٠ - ٣ الأمن في النشاطات الاقتصاديّة
لا شك في أنّ أحد الأمور التي تتسبب في إنعدام الأمن للمنتجين والتجار وتقلل من الباعث لديهم على ممارسة النشاطات الاقتصاديّة، هو تحديد قيمة البضاعة، فالمنتجون عندما لا يشعرون بوجود تقييد وتحديد في القيمة فإنّهم يتحركون بشوق أكثر في مزاولة نشاطهم الاقتصادي.
وقد ورد في رواية في كتاب اسد الغابة وكنز العمال عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال في مقام الجواب عن الشخص الذي أراد تعيين سعر معين لبضاعته:
«لا يسألني اللَّه عن سنّة أحْدَثْتها فيكم لم يأمرني بها ولكن سلوا اللَّه من فضله» [١]
، ويشبه هذا المعنى ما ورد في رواية في كتاب: من لا يحضره الفقيه مع تفاوت يسير حيث قال النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله:
«ما كنت لألقى اللَّه تعالى ببدعة لم يحدّث إليّ فيها شيئاً فدعوا عباد اللَّه يأكل بعضهم من بعض ...» [٢].
وبديهي أنّ الضرورة تقتضي أحياناً أن يقوم الحاكم الإسلامي في موارد معينة بتسعير البضاعة، ولكن مع رعاية العدل والانصاف ومرعاة منافع كلا الطرفين: البائع والمشتري.
يقول أميرالمؤمنين عليه السلام في كتابه لمالك الأشتر:
«وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً: بِمَوَازِينِ عَدْلٍ، وَأَسْعَارٍ لَا تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ» [٣]
، وفي هذه الرواية نرى أنّ الإمام عليه السلام لا يأمر بالتسعير بل ينهى عن الإجحاف وعدم الانصاف.
وفي رواية أخرى عندما سئل الإمام الصادق عليه السلام عن التسعير قال:
«ما سعّر أميرالمؤمنين على أحد ولكن من نقص عن بيع الناس قيل له: بع كما يبيع الناس وإلّا فارفع من السوق، إلّاأن يكون طعامه أطيب من طعام الناس» [٤].
وفي رواية ثالثة في كنزالعمال [٥] و مستدرك الصحيحين [٦] عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله نرى أنّ النّبي أظهر استياءه الشديد من رجل أراد تسعير قيمة بضاعته لغرض كسر القيمة الطبيعيّة للسوق وخفض القيمة الواقعية للبضاعة، ولكن إذا كان يريد من ذلك العمل في إطار القيم الأخلاقيّة وبدوافع إلهيّة، فلا بأس بهذا العمل:
«مرّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله برجل بالسوق يبيع طعاماً بسعر هو أرخص من سعر السوق فقال: تبيع في سوقنا بسعر هو أرخص من سعرنا؟ قال: نعم. قال: صبراً واحتساباً؟ قال: نعم. قال: أبْشِر! فانّ الجالب إلى سوقِنا كالمجاهد في سبيل اللَّه والمحتكر في سوقنا كالملحد في كتاب اللَّه».
بهذه الجهة ومع أنّ جماعة من فقهاء الشيعة كالشيخ الطوسي في النهاية و المبسوط [٧]، والمحقق في الشرايع [٨]، والعلّامة في القواعد و المختصر [٩] أفتوا بعدم
[١]. اسدالغابه، ج ٥، ص ٣٤٨ ح ٦٤٠١؛ كنز العمال، ج ٤، ص ١٠٣، ح ٩٧٤٨.
[٢]. من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ٢٦٨، ح ٣٩٦٩.
[٣]. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
[٤]. دعائم الإسلام، ج ٢، ص ٣٦، ح ٨١.
[٥]. كنز العمال، ج ٤، ص ٩٩، ح ٩٧٣٠.
[٦]. مستدرك الصحيحين، ج ٢، ص ١١.
[٧]. انظر: نهاية الأحكام، ص ٣٧٤، المبسوط، ج ٢، ص ١٩٥.
[٨]. انظر: شرايع الأحكام، ج ٢، ص ٢١ تحقيق عبدالحسينمحمّد علىالبقّال، مؤسسة المعارف الإسلاميّة، قم، الطبعة الاولى، ١٤١٥ ه ق.
[٩]. قواعد الأحكام، ج ١، ص ١٣٢، المختصر، ص ١٢٠.