موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٤ - نقد وتحقيق
عالية من الرشد والتنمية، ولكن البعض يتصور أنّه من أجل تنمية المجتمع وإزدهار الاقتصاد لابدّ من التضحية ببعض الأفراد ليتسنى تحقيق البرامج الاقتصاديّة، هؤلاء يعتقدون أنّه لابدّ من سحق بعض الناس تحت عجلة التطور بشكل لاإرادي، وإلّا لا يمكن التفكير بعملية التنمية، لأنّ إجراء المخططات الاقتصاديّة على أساس العدالة ومراعاة جميع الجوانب وإرضاء جميع شرائح المجتمع من شأنه تقييد حركة التنمية وابطائها، مثلًا بالنسبة لتفعيل النشاط الاقتصادي في واقع الحياة فإنّ حالات التضخم وتزريق المال في المجتمع أمر لابدّ منه، وهذه المسألة ستعود بالضرر على الشريحة الضعيفة من المجتمع.
وكذلك في مسألة تجهيز المصانع بالأجهرة والوسائل الحديثة وترك الأساليب التقليدية في عمليّة الإنتاج يتسبب في بطالة جماعة من العمّال، ولكنه في نهاية المطاف يؤدّي إلى رشد وتنمية الاقتصاد وتقويته في المجتمع من جهة الاقتصاد في النفقات والأجور.
وأحياناً يكون تعطيل المصانع والتوجه نحو استيراد المنتجات الصناعيّة من الخارج بسعر أقل نافعاً، وإن كان يتسبب في بطالة جماعة كثيرة من الناس، ولكنه من الناحية الاقتصاديّة نافع ويؤدّي إلى قلّة النفقات ويتسبب في مجال السياسات الاقتصاديّة العامّة في البلد إلى زيادة الدخل الفردي، ولكنه لا يزيل الفقر والطبقية من جو المجتمع وربّما يُزيدها حدةً.
وطبعاً فإنّ هذه الجماعة تعتقد بأنّ آثار هذه الحركة في نهاية المطاف ستؤثر أثرها على طول المدّة وأنّ هذا البلد سيكون غنياً وثرياً ومتطوراً فيما بعد وبالتالي سينتفع جميع الأفراد من هذه السياسة الاقتصاديّة، ولكن في مدّة قصيرة لابدّ من التضحية بجماعة من الناس لأجل تحقيق هذا الغرض، ولابدّ من قبول الظلم على شريحة من الناس إلى أن نصل إلى الواقع من التنمية في البلد حتى نفكر في إقامة العدل حينئذٍ [١].
وهذه النظريّة هي التي يسوغها العالم الرأسمالي والبنوك المقرضة- والمرتبطة بهذا التيار- لدول وبلدان والعالم الثالث.
نقد وتحقيق:
أوّلًا: إنّ الإسلام يؤكد على القيمة الكبيرة للعدالة، فالعدالة تعتبر من الأصول التطبيقيّة للإسلام، وبالتالي فإنّ الإسلام لا يسمح باقصاء العدالة تحت أي ذريعة أو التضحية بها من أجل أي منفعة.
والقرآن الكريم يصرح بضرورة إقامة القسط والعدل في ربوع المجتمع الإسلامي:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ» [٢]
وأمر الناس بالعدل والإحسان:
«إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ» [٣].
وكذلك يعتبر القرآن الكريم أنّ من جملة أهداف بعثة الأنبياء إقامة القسط والعدل:
«لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ» [٤]
وقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«ما من أمير عَشَرةٍ إلّا
أتى اللَّه عزّوجلّ مغلولًا يوم القيامة لا يطلقه إلّا العدل» [٥]
. ويقول صلى الله عليه و آله:
«إتّقوا الظّلم فانّ الظّلم ظلمات
يوم القيامة» [٦].
ونقرأ في كلمات أميرالمؤمنين علي عليه السلام أنّ العدل
[١]. ولمزيد من الاطلاع حول هذا البحث انظر: الإسلام والأزمة الاقتصاديّة (اسلام و چالش اقتصادى)، بالفارسيّة تأليف محمّد عمر جپرا ترجمة السيد حسين ميرالمعزّي، و ...، ص ٢٤٠- ٢٤٦.
[٢]. سورة النساء، الآية ١٣٥.
[٣]. سورة النحل، الآية ٩٠.
[٤]. سورة الحديد، الآية ٢٥.
[٥]. مسند أحمد، ج ٥، ص ٢٨٤.
[٦]. المصدر السابق.