موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٦ - ب) الحقوق الماليّة الواجبة والمستحبّة
وهذا الموضوع إلى درجة من الأهميّة بحيث إنّ الأشخاص الذين لا يقعون في طريق الرشوة بشكل مباشر ولكنّهم ينتفعون من الربح الحاصل منها بشكل معين مثلًا يدخلون إلى بيت المرتشي بعنوان ضيوف ويتناولون من طعامه فإنّ النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله يؤكد أنّ هذا الطعام الذي يتناولونه يستحقون عليه النار:
«كلّ لحم أنبتَه السحتُ فالنار أولى به. قيل: وما السحت؟ قال:
الرّشوة في الحكم» [١].
ويقول الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في جوابه لرسالة أحد أتباعه ويدعى محمّد بن سنان في مجال فلسفة تحريم السرقة:
«وحرمة السرقة لما فيها من فساد الأموال» [٢].
ومعلوم أنّ إيصاد هذه الطرق غير المشروعة للكسب والربح الكثير، تؤثر بشدّة في الحيلولة دون تراكم الثروة والتضخم الحاصل منها.
النتيجة:
مع الالتفات إلى ما تقدّم بيانه، يمكن استنتاج هذه الحقيقة، وهي أنّ الإسلام بتحديده طرق الكسب المشروع وجعلها في إطار من القيم والمقررات وتعيين خطوط حمراء للنشاطات الاقتصاديّة منع من تمركز الثروات بيد عدّة قليلة وبذلك استطاع التقليل من حدّة الفاصلة الطبقيّة في المجتمع.
ب) الحقوق الماليّة الواجبة والمستحبّة
لا شك أنّ خدمات الحكومة الإسلاميّة، أو أي حكومة أخرى من قبيل تأمين الأمن، شق الطرق وبناء الجسور، والمشاريع العلميّة والقضاء على أنواع الأمراض، يؤثر كثيراً في عوائد رؤوس المال، وهذا الأمر يحدد موقف رؤوس الأموال في مقابل الحكومات، ويبيّن بالتالي الحكمة والغرض من أخذ أنواع الضرائب.
ومن جهة أخرى يوجد في المجتمعات البشريّة طبقة من الأفراد العاجزين عن العمل والذين يحتاجون إلى حماية ودعم من قِبل المتمولين من جهة، والحكومات من جهة أخرى، بالضبط من قبيل اليد المشلولة، فربّما لا تستطيع هذه اليد تقديم أي خدمة لصاحبها بل يمكنها أن تكون كلّاً وعبأً عليه، ولكن على أيّة حال بما أنّ هذه اليد خدمته لسنوات مديدة والآن عجزت عن إسداء أي خدمة له فينبغي رعايتها وإيصال الغذاء اللازم لها.
وبديهي أنّه لو تمّ أخذ هاتين الفئتين من الحقوق الماليّة (حقّ بيت المال وحقّ المحتاجين) من المتمولين والأثرياء فإنّه سينعكس إيجاباً بشكل ملحوظ على منع تكاثر الثروات وتراكم الأموال لدى فئة خاصّة.
وببيان آخر: إنّ من جملة الأساليب التي لها أثر مباشر في ضبط وتعديل الثروات والحيلولة دون تمركز الأموال وإكتنازها بيد فئة معينة، جعل الحقوق الماليّة الواجبة والمستحبّة تحت عناوين مختلفة
[١]. كنز العمال، ج ٦، ص ١١٩، ح ١٥١٠٦.
[٢]. عيون الأخبار، ج ٢، ص ١٠٣.