موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣ - البحث الثالث الوسيلة أم الهدف؟
الإسلامي في ظل الاقتصاد السليم والمتحرك.
البحث الثالث: الوسيلة أم الهدف؟
ومن البحوث التي تستحق البحث في الاقتصاد الإسلامي هو أنّ الإسلام مع كلّ تلك الأهمية التي يقررها للقدرة الماليّة، فإننا نرى في الكثير من النصوص الدينيّة أنّ الإمكانات الماليّة وقعت مورد الذم والإزدراء، إلى درجة أنّ البعض وقعوا في دوامة الحيرة والتردد: هل أنّ الإسلام يرى القدرة الماليّة أمراً مذموماً وضد القيم أو أنّها أمر مطلوب وممدوح؟
وهذا التردد والتساؤل ناشيء من وجود نصوص كثيرة من جهة تمدح المال والثروة وتدعو إلى اكتسابها وتجعلها في عداد الجهاد في سبيل اللَّه، وحتى أنّ القتل في سبيل حفظها يعد بمرتبة الشهادة [١]، ومن جهة أخرى ورد في النصوص الذم للحياة الدنيا والتعبير عنها باللعب واللهو والتأكيد على لزوم اجتنابها، وهذا التهافت وعدم التناسق انعكس على سيرة ومنهج جماعة من المسلمين في صدر الإسلام.
ينقل الدكتور طه حسين في كتابه المعروف الفتنة الكبرى عن الخليفة الثاني أنّه قال في أواخر عمره: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لأخذتُ فضولَ أموال الأغنياء ووزّعتها على الفقراء» [٢].
يقول طه حسين: لكنه (الخليفة الثاني) خاف عليهم الفتنة. وخاف منهم الفتنة أيضاً. فأمسكهم في المدينة لا يخرجون منها إلّابإذنه. وحبسهم من الأمصار المفتوحة. لا يذهبون إلّابأمر منه. وخاف منهم أن يفتنن بهم الناس.
وآية ذلك أنّ عثمان لم يكد يتولّى أمر المسلمين حتى فك عنهم هذا العقال وأذن لهم فتفرقوا في الأرض ..
فتعظم ثراؤهم وكثرت أموالهم فتوسعوا في الغنى حتى ظهرت الاختلافات الطبقيّة. ولم تلبث أن ظهرت الفتن والحوادث» [٣].
هذا في حين أنّ البعض الآخر من الصحابة كانوا يعيشون الزهد والقناعة والظروف الصعبة ولم يعيشوا الرغبة والميل للدنيا والماديات، ومهما يكن من أمر فإنّه النصوص الدينيّة في الوهلة الاولى تعكس نوعاً من التضاد وعدم الإتساق في مسألة المال والثروة وكذلك ما نجده في سيرة المسلمين في صدر الإسلام من هذا النوع من التضارب في مقام العمل والسلوك.
والآن مع الأخذ بنظر الاعتبار ما تقدم، يثار هنا السؤال الأساسي: ما هو نظر الإسلام النهائي في هذه المسألة؟ هل أنّ الإسلام يرى واقعاً حقارة المال الثروة ويقرر ذمها ورفضها؟ إذا لم يكن الأمر كذلك فما معنى ما ورد في هذه الروايات من ذم المال وتقبيح الثروة؟
ذهب بعض العلماء إلى أنّ التصوف اليوناني انتقل إلى بعض المسلمين من خلال ترجمة العلوم اليونانية إلى
[١]. نقرأ في حديث شريف عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله: «من قُتل دونَماله فهو شهيد» (خصال الصدوق، ص ٦٠٧).
[٢]. الفتنة الكبرى، الدكتور طه حسين، ج ١، ص ١٧.
[٣]. الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ١، ص ١٧، مع التلخيص.