موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٨ - ج) العزلة
في الطلب الاتّباع أمري لكيلا تكون كَلّاً على أهلك» [١].
ومع الالتفات إلى ما ذكر يتبيّن أنّ هذا الاستنباط من مفهوم التوكّل غير سديد ولا ينسجم مع ثقافة الإسلام، وهذا المفهوم الخاطيء ربّما كان موجوداً في زمان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بين الجهلاء من المسلمين، فقد ورد في الخبر أنّ أعرابياً جاء إلى النّبي في مسجد المدينة وقد ترك ناقته خارج المسجد فقال له النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله:
«أعقلتَ ناقتك؟»
قال: كلّا، فقد توكّلت على اللَّه، فقال النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله
«إعقلها وتوكّل على اللَّه» [٢].
والمفهوم الصحيح للتوكلّ في دائرة تعاليم الإسلام هو أنّ الإنسان يجب عليه السعي وبذل الجهد ما أمكنه ذلك، وهو خارج عن قدرته وإرادته فإنّه يتوكّل على اللَّه تعالى ولا ييأس من رحمة اللَّه.
وقد سأل النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله جبرائيل عن معنى التوكّل على اللَّه، فقال له جبرائيل:
«العلم بأنّ المخلوق لا يضرّ ولا ينفع، ولا يُعطى ولا يمنع، واستعمال اليأس من الخلق، فإذا كان العبد كذلك لم يعمل لأحدٍ سوى اللَّه، ولم يَرجُ ولم يَخَف سوى اللَّه، ولم يَطْمع في أحد سوى اللَّه، فهذا هو التوكّل» [٣].
وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه بعد نزول آية:
«وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَايَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» [٤]
، إنّ قوماً من أصحاب رسول اللَّه لما نزلت
«وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَايَحْتَسِبُ»
أغلقوا الأبواب وأقبلوا على العبادة وقالوا: قد كفينا، فبلغ ذلك النّبي صلى الله عليه و آله فأرسل إليهم، فقال وما حملكم على ما صنعتم؟ قالوا: يارسول اللَّه تكفّل لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«انّه من فعل ذلك لم يُستَجَبْ له، عليكم بالطّلب» [٥].
ج) العزلة
والمفهوم الآخر من المفاهيم الدينيّة التي لم يتبيّن معناها بشكل صحيح وبالتالي أساء البعض الاستفادة منه، مسألة العزلة أو إعتزال الناس، فقد ورد في بعض الروايات الترغيب في إعتزال الناس والإبتعاد عنهم، كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال للسفيان الثوري:
«يا سفيان فسد الزّمان، وتنكّر الإخوان وتقلّب الأعيان، فاتّخذنا الوحدة سكناً» [٦].
وأنصار هذا التحريف، مضافاً إلى ما ذكر يستندون إلى الحديث التالي في إثبات رأيهم، وهو أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ذكر يوماً على المنبر حديثاً من وصايا يوشع بن نون (وصي النّبي موسى عليه السلام) ومضمونه:
«ألا إنّ خير عباداللَّه التقيّ النّقي الخَفيّ، وإنّ شرّ عباد اللَّه المشار إليه بالْأصابع» [٧].
[١]. الكافي، ج ٥، ص ٦٧.
[٢]. إرشاد القلوب، ج ١، ص ١٢١؛ انظر: المبسوط السرخسي، ج ٣٠، ص ٢٤٩.
[٣]. بحار الأنوار، ج ٧٤، ص ٢٠، ح ٤.
[٤]. سورة الطلاق، الآية ٢ و ٣.
[٥]. الكافي، ج ٥، ص ٨٤، ح ٥.
[٦]. مستدرك الوسائل، ج ١١، ص ٣٩١.
[٧]. بحار الأنوار، ج ٦٧، ص ١١١، ح ١٢؛ كنز العمال (ج ٣، ص ١٥٢) باب تحت عنوان «الخمول» يعني المجهول وغير معروف، ثم نقلوا روايات في هذا المضمون.