موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٨ - البحث الأوّل تعريف الزهد الإسلامي
من طاقات المجتمع وثرواته، والزاهد الإسلامي يتجنب مثل هذه الحروب والسجالات الظالمة، وهذا الامتناع يتسبب في بقاء الثروات والأموال، ومن خلال تزريقها إلى عجلة الاقتصاد في المجتمع يتسبب في تقدّم المجتمع ورخائه وإزدهاره.
ثالثاً: إنّ الزاهد الإسلامي وفي ظلّ حالة الزهد بالدنيا، يتسبب في صفاء باطنه ونقاء قلبه ويثير في وجدانه حالات الحب للآخرين ومدّ يد المعونة إليهم والاهتمام بأمورهم، وهذه المسألة تدعوه لمزيد من العمل والسعي الاقتصادي ليتمكن بهذا الطريقة من تهيئة المقومات اللازمة لتقديم مزيد من الخدمة للآخرين والمجتمع، وفي ظلّ هذه الروحيّة يزدهر سوق العمل والسعي والعمران والإنفاق والخدمة لأفراد المجتمع.
وعلى أيّة حال فإنّ الزاهد الإسلامي ومن خلال الالتفات إلى الأصول الثلاثة التالية، رغم أنّه يعيش الحدّ الأدنى من التمتع بالأمور الدنيويّة، ولكن هذا الأمر لا يمنع من أن تكون حياته زاخرة بالنشاط والحيوية والنمو الاقتصادي السليم:
١. الاعتقاد بالحساب يوم القيامة:
«... في حَلالها حساب وفي حَرامها عقابٌ» [١].
٢. تحمل المرارة والمعاناة والتعب في الدنيا لأنّه يعتقد أنّ عاقبة كلّ هذه الأمور نيل رضوان اللَّه تعالى يوم القيامة، كما أنّ التمتع بالملذات الماديّة في الدنيا يستتبع المرارة والمعاناة في الآخرة:
«مرارة الدّنيا حلاوة الآخرة وحلاوة الدّنيا مرارة الآخرة» [٢].
٣
. إنّ حالة القناعة في الدنيا وإمتلاك الحدّ الأدنى من وسائل المعيشة، يستتبع حالة الرضا والسعادة في الحياة الاخرويّة:
«يا بنيّة ما من رجلٍ طاب مَطعمه ومَشربه ومَلبسه إلّاطال وُقوفه بين يدي اللَّه عزّ وجلّ يوم القيامة» [٣].
وبهذه المقدّمة التي ألقينا فيها نظرة عامّة على هذا الموضوع، نواصل الكلام في تفاصيل هذه المسألة في أربعة بحوث:
البحث الأوّل: تعريف الزهد الإسلامي
الزهد في اللغة يعني عدم الرغبة والميل، يقول الراغب في مفرداته: «الزهيد، الشيء القليل، والزّاهد في الشيء الرّاغب عنه» [٤].
وجاء في لسان العرب: «الزهد ضد الرغبة ...
والزّهادة في الأشياء كلّها ضد الرغبة» [٥]؛ ولكن ذهب بعض العلماء إلى أنّ: «الزهد لغةً الاعراض عن الشيء احتقاراً» [٦].
أمّا الزهد في الاصطلاح؛ أي في دائرة الثقافة الإسلاميّة، فله هوية وحقيقة خاصّة تتجلى في سنّة النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله والأئمّة المعصومين عليهم السلام، وفي هذه المساحة فإنّ الزهد لا يعني التهرب من المجتمع وإعتزال الناس والرهبانيّة والتصوف، ولا يتقاطع مع العمل والسعي في أمور المعيشة والكسب، بل يعني عدم التعلق القلبي بالماديات، وعدم الانخداع بزخارف الدنيا وملذاتها الرخيصة والاعتماد التام على الباري تعالى في هذه النعم، في الحقيقة فإنّ الزاهد الإسلامي بدلًا من أن يعيش أسير المواهب الماديّة، فإنّه يتعلق قلبه بخالق ورازق هذه المواهب والنعم، وهذه المسألة هي التي يمتاز بها الزاهد عن غيره من الناس.
[١]. بحار الأنوار، ج ٤٢، ص ٢٧٦ (عن الإمام علي عليه السلام).
[٢]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة ٢٥١.
[٣]. بحار الأنوار، ج ٤٢، ص ٢٧٦ (عن الإمام علي عليه السلام).
[٤]. مفردات الراغب، مادة «زهد».
[٥]. لسان العرب، مادة «زهد».
[٦]. فيض القدير شرح جامع الصغير، ج ١، ص ٦١٥.