موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٧ - ١٢ الإنفاق والتوسعة الاقتصاديّة
والعشيرة وشيء من ذلك لا يتمّ إلّابصنع من اللَّه سبحانه».
ويقول المرحوم العلّامة الطباطبائي رحمه الله بالنسبة لما ورد في ذيل الآية:
«وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ»
أنّها ناظر إلى هذه الدرجات الاعتبارية والاجتماعيّة ويقول: «فيتبيّن بمجموع القولين أعني قوله: «نحن قسمنا ...» وقوله «رفعنا بعضهم فوق بعض ...» أنّ القاسم للمعيشة والجاه بين الناس هو اللَّه سبحانه لا غير- يعني أنّ المقسِّم المعيشة (الرزق المادي) هو اللَّه وهو مقسِّم للجاه والمقام الاجتماعي أيضاً» [١].
١٢. الإنفاق والتوسعة الاقتصاديّة
ومن جملة المباني والأصول التي ينبغي للناشط الاقتصادي الاعتقاد بها واعتبارها من السنن الإلهيّة الحاكمة على عالم الخلقة، أنّه لا يخاف من البذل وإنفاق الأموال في سبيل اللَّه، ويعتقد أنّ الإنفاق في سبيل اللَّه ليس فقط لا يتسبب في الركود الاقتصادي، بل يساهم في ترشيد وتنمية الاقتصاد أيضاً، فالناشط الاقتصادي بهذا الدليل يتجنب حالة البخل والشح في طريق إعمار المدن ورفع حاجة المحتاج في المجتمع وإحياء القيم الدينيّة والأخلاقيّة، ولا يرى أنّ الإنفاق والبذل في سبيل اللَّه يتنافى مع محاسباته الاقتصاديّة الدقيقة.
ويقرر القرآن الكريم، مضافاً إلى الآثار المعنويّة والروحية للإنفاق والبذل المالي، أنّ مثل هذا الإنفاق يتسبب في تطهير النفس وتهذيبها:
«الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزَكَّى» [٢]
والتطهير والتزكية:
«خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا» [٣]
، ويشير إلى الآثار والنتائج الماديّة للإنفاق من قبيل قوله تعالى:
«يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ» [٤]
يعني أنّ المرابي سيبتلي بنقصان وإنعدام ماله تدريجيّاً وأنّ اللَّه تعالى يسوق رأس المال الربوي إلى الفناء والمحق، «فالمرابي بما لديه من رأسمال وثروة يستحوذ على أتعاب الطبقة الكادحة، وقد يؤدّي عمله هذا إلى القضاء عليهم، أو يبذر على الأقل بذور العداء والحقد في قلوبهم بحيث يصبحون بالتدريج متعطّشين إلى شرب دماء المرابين ويهدّدون أموالهم وأرواحهم، فالقرآن يقول إنّ اللَّه يسوق رؤوس الأموال الربويّة إلى الفناء» [٥].
وخلافاً للربا فإنّ اللَّه تعالى يربي الصدقات ويزيد المنفق في ماله، لأنّه: «وبالمقابل، فالأشخاص الذين يتقدّمون إلى المجتمع بقلوب مليئة بالعواطف الإنسانيّة وينفقون من رؤوس أموالهم وثرواتهم يقضون بها حاجات المحتاجين من الناس يحظون بمحبّة الناس وعواطفهم عموماً، وأموال هؤلاء فضلًا عن عدم
[١]. الميزان، ج ١٨، ص ١٠٠ ذيل الآية ٣٢ سورة الزخرف. يظهر أنّ ذيل الآية: «وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ» يفسر ويوضح صدر الآية «نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ»؛ يعني أنّ المراد من «الدرجات» درجات التفاوت في الواقع المعاشي والمالي، كما بيّننا ذلك في المبنى السابق.
[٢]. سورة الليل، الآية ١٨.
[٣]. سورة التوبة، الآية ١٠٣.
[٤]. سورة البقرة، الآية ٢٧٦.
[٥]. التفسير الأمثل، ج ٢، ذيل الآية مورد البحث.