موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٩ - ٧ المعنويّة والأخلاق
الإمكانات الماديّة والرفاه الدنيوي لمملكة سبأ لا يعدّ كافياً ولهذا تحرك على مستوى هدايتهم للتوحيد وعبادة اللَّه.
وأساساً فإنّ القرآن الكريم يقرر بأنّ الشرك هو الأصل والأساس للوقوع في منزلقات الفساد والانحطاط والذنوب وبالتالي يتسبب في هلاك الحضارة البشريّة ويقودها إلى هوة التخلف والانحطاط.
ونقرأ في سورة الروم في الآية ٤١:
«ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ»
فالفساد الذي يعم الأرض وخراب المدن والتمدن نسبته الآية للناس وعلى أساس أنّه نتيجة عمل وسلوكيات الناس الخاطئة في خط الانحراف والباطل.
وهنا نرى أنّ الآية الشريفة التالية، (الآية ٤٢) تدعو الناس لأخذ العبرة من الماضين من خلال سيرهم في آفاق الأرض:
«قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ».
وفي الحقيقة إنّ القرآن الكريم يرى أنّ «الجذور الأصليّة في المفاسد تتمثّل في الغفلة عن أصل التوحيد والتوجه نحو آليات الشرك والأفكار المنحرفة» [١]، ومع وجود الشرك فإنّ الفساد والتحلل والانحطاط ستجد طريقها في ذلك المجتمع وبعد أن تصاب بالضعف والاهتزاز فإنّ نهايتها هو الهلاك والفناء.
وبعبارة أخرى: أنّ المجتمع الذي يعيش بعيداً عن الإيمان والهداية الإلهيّة، فإنّ لا يرى الأمن في ربوعه ولا يجد الاستقرار والصلح مجالًا للبقاء فيه:
«لأنّ مفارقة الدّين مفارقة الأمن» [٢]
، وبالنتيجة فإنّ مثل هذا المجتمع لا يرى حالات الرشد والتنمية المستقرة.، ورغم أنّه من الممكن أن يصل هذا المجتمع إلى مستويات معينة من التنمية ولمدّة قصيرة، وأساساً فإنّ الحياة الحقيقيّة والإزدهار الاقتصادي والرشد الواقعي في المجتمع يتجسد فقط في ظلّ التدين والمعنويّة، لأنّه كما يقول الإمام علي عليه السلام:
«لا حياة إلّابالدّين» [٣].
إنّ اقتران التنمية الماديّة بالتنمية المعنويّة والسير في خط العبودية والقيم الأخلاقيّة، وردت بتعابير مختلفة في القرآن الكريم، ومن ذلك ما ورد في الآية ١٥ من سورة سبأ التي تتحدّث عن أهالي مدينة سبأ وتمدنهم وتقول:
«كُلُوا مِنْ رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ».
ومن هذه العبارات الموجزة تتبيّن خصوصيات هذا التمدن في ظلّ الشكر للَّهتعالى، فيما يترتب عليه توفّر النعم الماديّة والمعنويّة.
«هذه الجملة القصيرة تصوّر مجموعة النعم الماديّة والمعنويّة بأجمل تعابير، فبلحاظ النعم الماديّة أرض طيّبة خالية من الأمراض المختلفة، من السراق والظلمة، من الآفات والبلايا، من الجفاف والقحط، من الخوف والوحشة، وقيل خالية حتى من الحشرات المؤذية ... وأمّا بلحاظ النعم المعنويّة فمغفرة اللَّه التي شملتهم ...» [٤].
ومن هذا المنطلق، فإنّ خصوصيّة هذه المدينة أنّها مزجت بين النعم الماديّة والمعنويّة، فكان الناس ينتفعون من الرزق الطاهر والطيب من جهة، ويؤدون شكر اللَّه تعالى على ما أنعم عليهم من جهة أخرى، ومادامت هذه الحالة مستمرة في ربوع هذه المدينة كانت النعم والمواهب الإلهيّة متوفرة لهم على الدوام، ولكن عندما أعرضوا عن شكر اللَّه تعالى على هذه النعم، فإنّهم اصيبوا بالسيل المدمر، الذي انتهى بهم إلى الهلاك والدمار الشامل:
«فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
[١]. التفسير الأمثل، ج ١٠، ذيل الآية مورد البحث.
[٢]. الكافي، ج ١، ص ٢٧ عن الإمام علي عليه السلام، ح ٣٠.
[٣]. بحار الأنوار، ج ٧٤، ص ٤٢٠.
[٤]. التفسير الأمثل، ج ١٠، ذيل الآية مورد البحث.