موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤١ - ٦ عمران وإحياء الأرض
الاقتصاديّة، فإنّه تعدّ من الأصول التطبيقيّة أيضاً، كما أنّ التنمية الاقتصاديّة أيضاً في ذات كونها من الأهداف، فإنّها تعدّ أصلًا من الأصول التطبيقية، وسيأتي المزيد من التفصيل في هذه المسألة في الفصل الثالث.
ويتبيّن ممّا تقدّم الوجه لما ذكره بعض علماء الاقتصاد في مسألة «العمران والإحياء» بوصفها أحد الأهداف الاقتصاديّة [١] وأنّ البعض الآخر عدّها من جملة الأصول التطبيقية [٢].
وعلى أية الحال فالآية الشريفة التي تقول:
«هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا» [٣]
تعدّ لافتة واضحة على أنّ إعمار الأرض يعد من أهداف النظام الاقتصادي في الإسلام، وبالرغم من أنّ الدليل العقلي أيضاً يدلّ على هذه المقولة بشكل جلي، لأنّه إذا كانت الأرض تعتبر مهداً لحياة الإنسان، وأنّ جميع الأهداف المعنويّة لحياة الإنسان من شأن التحقق في مثل هذا الفضاء، فطبعاً يجب توفير مقدمات هذه الحياة ومستلزماتها، ومن الواضح أنّ هذا المعنى لا يتيسر من خلال تخريب الأرض واهمالها.
والنكتة العقلية والعقلائية الأخرى في هذا المجال، البيان الدقيق الوارد في كتاب أميرالمؤمنين عليه السلام عليها السلام لك الأش الله اكبر ر، رحمهم الله لمالك الأشتر وهو أنّ المنابع والدعائم الأصليّة للنظام الاقتصادي تتمثّل في الخراج والضرائب، ومثل هذا المنبع لا يتيسر بدون إعمار الأرض وإحيائها، يقول عليه السلام:
«وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأنّ ذلك لا يدرك إلّا بالعمارة».
ويقول الإمام عليه السلام في سياق هذه التوصية، إنّ النظام الاقتصادي والحكومة الإسلاميّة التي لا تهتم بعمران وإحياء الأراضي الزراعيّة وتكرس همها في جمع الخراج فإنّها تواجه ثلاث نتائج سلبية:
الاولى: تخريب الأراضي، لأنّ حركة الإعمار والإحياء لا تتيسر بدون حماية الحكومة الإسلاميّة، ومن هنا نشاهد على امتداد التاريخ أنّ المناطق التي اهملت من قبل الحكومات ولم يتمّ الاهتمام بزراعتها وإحيائها وفي ذات الوقت وضعت ضرائب ثقيلة على تلك الأراضي فإنّ المزراعين تركوا هذه الأراضي وهجروها إلى نقاط أخرى:
«ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد».
والثانية: أنّ الناس يساقون إلى حيث الهلاكة والفناء
«وأهلك العباد»
، لأنّه سيبتلون بالفقر والحرمان، وأحد العوامل المهمّة للهلكة بمعناها الواقعي أو بمعنى فقدان الروحية واهتزاز المعنويّة هو الفقر.
النتيجة الثالثة: وهي الملازمة للنتيجة ا لثانية، (وهي «الفقر») عدم دوام هذه الحكومات وبالتالي إنهدام النظام الاقتصادي والسياسي في هذا المجتمع، لأنّ الفقر العام يؤدّي إلى عدم التعاون والتكاتف بين أفراد المجتمع الواحد، بل يثير الناس ضد هذه الحكومة وبما أنّ هذه الحكومة تفتقد للإمكانات
[١]. انظر: مجموعة مقالات باشراف واعظ زاده الخراساني، ص ٥١.
[٢]. انظر: النظام الاقتصادي العلوي (نظام اقتصادى علوى) بالفارسيّة، أحمد علي اليوسفي، ص ٤٦٢.
[٣]. سورة هود، الآية ٦١.