موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٩ - ٥ سيادة القيم المعنويّة والأخلاقيّة
المسائل الروحيّة والأخلاقيّة، وعدم أكل اللحم بمقدار لازم:
«عليكم باللحم فإنّ اللحم يُنمي اللحم ومن مضى به أربعون صباحاً لم يأكل اللحمَ ساء خلقه ومن ساء خُلقه فأطْعموه اللحّم» [١].
وأخيراً ينقل الإمام الصادق عليه السلام عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال:
(من أتى عليه أربعون يوماً ولم يأكل اللحم فليقترض على اللَّه وليأكله» [٢].
ه) ونقل الإمام الباقر عليه السلام عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فيما يتصل بأهمية اللبن وأنّ النّبي كان يدعو اللَّه بعد كلّ طعام وشراب:
«اللّهم بارك لنا فيه وأبدِلنا به خيراً منه»
ولكن بعد أن يتناول اللبن بدلًا أن يطلب من اللَّه خيراً منه فإنّه يطلب اللَّه الزيادة منه ويقول:
«اللّهم بارك لنا فيه وزدنا منه» [٣]
، وهذا دليل على أنّه لا شيء يحلّ محلّ اللبن في قيمته وفائدته.
و) وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام عن أميرالمؤمنين عليه السلام، إنّ قوّة الجسم نتيجة تناول الحليب واللحم ويقول:
«إذا ضعف المسلم فليأكل اللحم واللبن فإنّ اللَّه عزّ وجلّ جعل القوّة فيهما» [٤].
ز) وورد في رواية أنّ الإمام الصادق عليه السلام كان يحمل إلى عياله كلّ فاكهة عامّة:
«لا تكون فاكهة عامّة إلّا أطعم عيالَه منها» [٥].
ح) وجاء في روايات عدّة التأكيد على الخضروات والحبوبات وخاصّة على العسل والزيتون [٦]، بل ورد في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:
«لا ينبغي أن يُفْقِرَ (الرجل) بَيْته من ثلاثة أشياء دهن الرأس والخَلّ والزيت» [٧].
ط) وأخيراً بالالتفات إلى التأثير المتقابل للجسم والروح، ومع الالتفات إلى ما ذكره إسحاق بن عمّار في ذيل الآية:
«خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ» [٨]
وبعد سؤاله عن المراد من هذه الآية، هل «القوّة في الأبدان» أو «القوّة في القلوب؟» قال الإمام الصادق عليه السلام في جوابه:
«فيهما جميعاً»
يعني أنّ اللَّه تعالى في هذه الآية الشريفة أمر بتأمين الحاجات الجسمانية وكذلك الحاجات الروحية والقلبية.
ومع الالتفات إلى كلّ هذه الموارد يتبيّن أنّه يجب على المجتمع الإسلامي والحكومة الدينيّة تحقيق السلامة الروحية للأفراد وتحكيم القيم الأخلاقيّة والمعنويّة كطريق ووسيلة لتحقق الاقتصاد السالم والإزدهار والحياة الطيبة، وذلك من خلال التأكيد على ضرورة توفر مواد غذائية خاصّة، وهذا يعني في الحقيقة مجموعة من الأمور التي ترتبط بها الحياة الماديّة للإنسان ولابدّ منها في عمليّة إيجاد الاقتصاد السليم.
ولو تجاوزنا مسألة التأثير المتقابل بين الجسم والروح، فثمة نقطة أخرى جديرة بالاهتمام، وهي أنّ تحصيل القيم المعنويّة يستدعي توفر الهدوء الروحي وفراغ البال، ومن معلوم أنّ وصول الفرد والمجتمع إلى حدّ الكفاف والاكتفاء المالي وعلى الأقل إلى حدّ المرتبة اللازمة للحياة، له تأثير كبير في تحقق هذه الحالة من الهدوء النفسي والاستقرار الروحي، ونقرأ في رواية عن الإمام الرضا عليه السلام:
«إنّ الإنسان إذا ادّخر طعام سنة خفّ ظهره واستراح وكان أبوجعفر عليه السلام وأبوعبداللَّه عليه السلام لا يشتريان عُقدة حتى يُحْرز اطعام سنتهما» [٩]
، وطبعاً هذا يتعلق بزمان كان فيه الناس ملزمون لأسباب اجتماعية خاصّة إدّخار مؤونتهم السنوي.
ومضافاً إلى النقطتين أعلاه فإنّه لا يخفى على أحد ضرورة حفظ شؤون كلّ أفراد المجتمع الإسلامي ودور هذا المعنى في تحصيل العزّة والكرامة النفسانيّة والشخصيّة الإنسانيّة في واقع الحياة الاجتماعيّة.
ونقرأ في رواية عن رسول اللَّه أنّ جميع ما ينفق من أجل حفظ نفوس الناس وكرامتهم يعدّ قيمة دينيّة وصدقة:
«كلّ معروف صدقة وكلّ ما انفق المرء من نفقة على نفسه وعياله واهله كتب له بها صدقة وما وقى به الرجل عرضه كتب له صدقة» [١٠].
بل ورد في رواية عن أميرالمؤمنين أنّ أفضل عمل هو حفظ عرض وحيثية الإنسان بواسطة المال:
«أفضل الفعال صيانة العرض بالمال» [١١]
وفي حديث آخر عن علي بن موسى الرضا عليه السلام أنّ أفضل المال ما وقي به العرض:
«أفضل المال ما وُقى به العرض» [١٢].
وعلى هذا الأساس يجب على الحكومة الدينيّة من خلال الإنفاق من بيت المال القيام بإقدامات لازمة
[١]. وسائل الشيعة، ج ١٧، ص ٢٦، ح ٦.
[٢]. المصدر السابق، ح ٣.
[٣]. الوافي، ج ٣، ص ٤٩.
[٤]. الخصال، ج ٢، ص ٦١٧؛ وسائل الشيعة، ج ١٧، ص ١٧، ح ٤٣.
[٥]. الكافي، ج ٥، ص ٥١٢، ح ٥.
[٦]. انظر: تحف العقول، ص ٢٤٩؛ وسائل الشيعة، ج ١٧، ص ١٧، ح ٤٣؛ الكافي، ج ٥، ص ٥١٢، ح ٥.
[٧]. الكافي، ج ٥، ص ٥١٢، ح ٥.
[٨]. سورة البقرة، الآية ٦٣.
[٩]. الوافي، ج ٣، ص ١٧.
[١٠]. مستدرك الوسائل، ج ١٥، ص ٢٦٨.
[١١]. الكافي، ج ٤، ص ٤٩، ح ١٤.
[١٢]. بحار الأنوار، ج ٧٥، ص ٧.